كي لا يتحوّل الشهيد إلى ضحية بقلم الياس كسّاب الرئيس العالمي السابق للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم

يللا ماغازين – كي لا تسقط دموعُ أمٍّ ثكلى هدراً، وكي لا يتفجّر قلبُ زوجةٍ مفجوعةٍ هراءً، وكي لا نحجب عينَي طفلٍ بريءٍ عن الوطنِ المذبوح على الأرض، وكي لا يغدو الشهداءُ ضحايا، بل شقائقَ تُزهرُ في ربيع لبنان، لا بُدَّ للثورة أن تنتصر.

فهذا ليس حراكًا، لأن “الحراكَ” رديفُ التململ، والتململَ وليدُ الانزعاج، والانزعاجَ ليس بكافٍ لتَهُبَّ الشعوب!

وهذا لم يعُدْ انتفاضةً،

فالانتفاضةُ حركةُ رفضٍ للواقع، مراهِقةٌ أحياناً، تبحثُ عن ذاتها، مُتقلبةٌ، غير واضحةِ المعالم، عاطفيّةٌ أكثر منها عقلانيّة، لا تصويب فيها، ولا حلولاً، فَتيّةٌ، فيها كل الحماس الممزوج بالدموع والفرح، بالحزن والأمل، بالغضب والغفران، فيها كلُّ ما يعتري المراهق في رفضه لأهله وللمتوارَث..

ولكن، ما يحدث اليوم، لهوَ ثورة!

لماذا؟

لأنّ ما بدأ كانتفاضة، تعمّدَ بالتجربة الإيجابية، حينَ تقاطع بين اللبنانيين، فاجتاز اللبنانيون الحذر، ذاك الحذر الذي زُرعَ جدراناً عازلةً، فصرنا قُطعاناً في زرائب زعماء الطوائف، وانحدرنا في تاريخنا إلى جاهليّة جديدةٍ، خيّرتنا، فقط، بين التزمُّتِ، والتزمّت، بِلا خَيار، فوُضِعنا في مهمّةٍ “مقدّسةٍ”، عنوانها مُحاربةُ الإرهاب، وأمام المهمة “المقدسة” يرخصُ كلُّ شيء، فنبعث للشهادة قوافل، في ظاهرةٍ مُجتمَعِيّةٍ امتهنت النحيب والبكاء، فصرنا، كأننا، كلما حاولنا أن نلتفت، على الأقل التفاتاً، لمطالب العدالة والحرية والمساواة، نحسُّ في قرارةِ نفوسنا بـ “عقدة ذنب”، لأنَّ القضيّةَ أهم، بالطبع، فنلوذُ بالصمت، وكأنّ الزمن توقّف عند مُصدري الفتاوى الإلهية! أليست الكنيسة في القرون الوسطى، هي التي بشرت بأنّ “الأرض وادي الدموع”، وقد برَّرتْ إلهيّاً حكم المَلكيّات المطلقة، والإقطاع، المجتمعي والمدني، والديني؟!! أوَليسَ هذا التبشيرُ هو الذي أخّرَ الثورةَ الفرنسية، والنهضةَ الأوروبيّة لقرون؟!! فنحن، بين الإرهاب، وتهويلنا منه، و”تقديس القضيّة”، قعدنا عن تطوير ذاتنا، وتركنا للمتنفذين قراراتنا المصيرية، ليس الوطنية منها فحسب، بل حتى الحياتية البسيطة، وأدرك الفاسدون، سياسيين وبيروقراطيين، أننا بين جُدران الخوف والتوحُّد المجتمعي، فأمعنوا نهباً، وتركونا نتلذّذ بالبكاء والنحيب، في رومانسيّةٍ سياسيّةٍ حزينةٍ دون أفق! من هذا المنظار، إنّ تهديمَ الجدران المصطنعة يُعتبرُ ثورة، لأنّ مديري الغيتوات” سقطوا، وها هم يتنقلون خفيةً، وكالخفافيش، في الليل الكالح، يخرجون من جُحورهم بحثاً عن مخارجَ تحفظ لهم بقيّةً من اعتبار، ونحن نعرف أنهم لا يزالون يحتفظون بمخالبهم، وأنيابهم الجارحة، وهم متأهبون ليفترسونا من جديد، كما افترسوا أحلام الشباب في خِيَمِ ساحةِ الشهداء سنة ٢٠٠٥، لأنهم لم يشاؤوا أن تخرُجَ مصالِحُهم مع الجلاء السوري من لبنان.

ما يحدث اليوم هو ثورة، لأننا، بمعرفتنا لـ “عقدتنا”، (غيتوات الطوائف)، على طريقة “فرويد”، تحرّرنا، وبتحرُّرِنا من العوالق المصطنعة، اكتشفنا فجأةً أننا قوةٌ جاهزةٌ لإحداث التغيير. إنها قوةٌ شعبيّةٌ،  فكريّةٌ، عابرةٌ للطوائف والطبقات، تعرف مكامن الخلل، تُدرِكُ واقع الوطن، وتفتح للحلول، في حواراتٍ مُنفتحةٍ، آفاقاً جديدةً، في البعدين: السياسي، والاجتماعي.

وهي ثورة، لأنها حركة تغيير، وهي لبنانيّة بامتياز، تتنوّع مبادئها كتنوّع لبنان، ولا تشبه الكثير من الثورات في التاريخ، فهي ليست دمويّة، ولا “عقائدية” متزمّتة، بل حركة، تشابه “الغانديّة” بسلميّتها، والثورة الطلابية الفرنسية (سنة ١٩٦٨) بحماسها ونقاوتها، بعيدةً عن المحاور العالميّة، ترفض النتائج السلبيّة للعولمة، بمفهومها الاقتصادي الجديد، وتتمسك بالديمقراطية، وتطلب تطويرها عبر احترام الحرية، وإعادة السلطة إلى الشعب.

وهي ثورة، لأنها، ورغم سلميتها، تعمّدت بالدم. وسوف تنتصر، بسلميتها ستنتصر، لأن اللاعبين بالرصاص يثبتون، مرّةً جديدةً، أنهم مأزومون! إنها أزمة العقل في مجتمعنا اللبناني خاصّةً، والعربي عامةً، وإنّ الغرفَ الظلماء التي تدار منها أزمة العقل هذه سوف تنكشف، ببهاء هذه الدماء الذكية. وإنّ من يعتقد أن فائضَ القوةِ قادرٌ على بناء الجدران مُجدّداً بين اللبنانيين واهمٌ، فلا ستار حديدي بعد اليوم، فكلُّ مناضلٍ مُراسلٌ، وكلُّ ثائرٍ خفيرٌ، فلا حياةَ للدولةِ الأمنية، ولن يستطيع أيٌّ كان، بعد اليوم، استعمالَ السلطة، عسكريّةً كانت، سياسيّةً، أم أمنيّةً، لخدمة الزعماء، فلقد انكشفوا، على الهواتف الجوالة انكشفوا، في جيب كل مواطن، وفي كل ساحات الوطن، في لبنان المقيم، أو في لبنان المغتربات.. فلن يصبحَ الشهداء ضحايا الالتفاف على المطالب، والاتفاقات المشبوهة بين أركان السلطة، فحناجر الثوار، وجوارحهم، لا بل دماؤهم، نبراس هذه الثورة المجيدة: خُلُقاً، وفكراً، وطيبةً، وبالأخص ذكاءً.

يبقى أن نخاطب الأحزاب اللبنانية، التي هي اليوم في مأزقٍ كبير! فالأحزاب ظاهرةٌ صحّيةٌ في أيّةِ ديمقراطيّة، فوجود الأحزاب ليس المشكلة، بل تحويلها إلى حارسةٍ لجدران الطائفة، بل لحيٍّ داخل “الغيتو” لا يمتد نحو الآخر إلا عبر الصفقات والمحاصصات، هو المشكلة.

المطلوب الآن ثورة من نوعٍ آخر، ليس على الأحزاب، بل داخلها، بعضها بدأ، بعضها يحاول، وبعضها أسيرُ طروحات إيديولوجية متحجرة، أو تيولوجية جوفاء، أو “زعائميّةٍ” لن تدوم، بل ستسقط مع الثورة القائمة، عاجلاً أم آجلاً، وإذا صمدت، عجائبيّاً، أو بفعل التبعيّة العمياء، ستسقط يوماً، وحتميّاً، بغياب الزعيم.

الثورة اليوم، هي التحدي الأكبر لهذه الأحزاب، التي، وبعضها مُشاركٌ على الأرض اليوم، ستواجه أفرادَها عند عودتهم إلى كوادرِهم، وقواعدِهم، فاستمرار هذه الأحزاب، برأيي، مرهونٌ باستيعاب المتغيرات الجديدة، فلقد وُلِدَ على الأرض مُحازِبٌ جديد، سيكون من الصعبِ لجمُهُ، يحملُ في قلبِهِ تُراثَ حزبِهِ، ويريدُ لقلبه أن يكونَ مُنسجماً مع عقلهِ الجديد، المولودِ بمنطقٍ جديد، في الثورةِ المدنيّةِ، لا عاطفيّاً على جبَهات القتال!

وتستحضرني هنا ثورتنا الطلابية في السبعينات، وقد كنا على وشك استحداث الثورة، كشباب، داخل أحزابنا، ولكنْ، داهمتنا الحرب الأهلية، وجعلنا من الهم الوطني أولويّةً، أما اليوم، هي الفرصةُ السانحةُ للشباب كي ينتفضوا داخل أحزابهم، ولخيرِ أحزابِهم، فعلى ضوء هذه الانتفاضة، سوف تنهض الأحزابُ القادرةُ على التطوير، في عصر الثورة التكنولوجيّة مع وسائل التواصل الاجتماعي الذكيّة، والقادرة على كشف المستور، أو، فهي ستَقعُد في متاحفِ التاريخ، كالأحزابِ القوميّةِ البائدةِ بعد الحربِ العالميّةِ الثانية.

0 Comments

Leave a Comment

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password

Skip to toolbar