كتاب مفتوح إلى اللبنانيين وشعوب العالم

يللا ماغازين – أيّها اللبنانيون تحيّة طيبة وبعد:

          يدفعنا للكتابة إليكم، ونحن نمرّ وإيّاكم في ظروف بالغة الدقّة والخطورة، واجب وأكيد هو واجب المصارحة بين الذين ما زالوا في هذه الحياة من جبل الغيريّة والإندفاع والمحبّة…

          نتناول في هذه الرسالة جملة من القضايا الوطنيّة، على أن تطغى عليها الإعتبارات المتّصلة بالإستحقاقات الداخليّة…

          وهذا المسعى يندرج في سياق متّصل لا شكّ في أننا كلبنانيين تتفهّم منطقه. إذ علينا العمل دون هوادة، لتحقيق التّحوّل الديموقراطيّ الذي يضع الشعب اللبنانيّ في مستوى التضحيات التي بذلها، ويمكّنه من احتلال المكانة التي يستحقّها. وإن الطريق لهذا المطلب الشعبي العميق هو المصالحة الوطنية الصادقة التي تسهّل الوصول إلى حلول توافقيّة وناجعة للقضايا التي تطرحها الأزمة ويطرحها تطوّر المجتمع وتطلّعاته.

          إنّ فترة المحنة ليست فترة عابرة، والحكمة تقتضي أن تستخلص الدروس منها بكل رويّة وتبصّر. إنّ النتائج التي حصلت في المرحلة السابقة، والموقع التي تحتلّه في الصدارة السياسية يمكن أن تساعدنا على القيام برسالة تجدّدية، كقوّة جمع وحوار. ولكّنه يمكن أيضًا أن يتّخذ من طرف البعض الكامن في السلطة سبيلًا من جديد لجرّنا لدور التغطية على كل المشاكل المزمنة.

          أيّها اللبنانيون: نود أن نشير في البداية إلى أن تطوّرات الأزمة التي تعصف بلبنان لا تدعونا لإعادة النظر جوهريًّا، في التحليلات التي أملت مواقفنا السابقة، غير أن العودة  إلى هذه التحليلات ليست مجرّد تشبّث بالماضي، بل لأننا نعتقد أن ذلك يساعد على فهم الحاضر ويفتح طريق المستقبل.

          إن الأزمة التي تعصف بلبنان منذ إقرار “وثيقة الوفاق الوطني” ما زالت تنتظر الحل، بل إنّها أصبحت تلد الأزمات وتغذّيها، (الأزمات الإقتصاديّة، السياسية، الأمنيّة…). ولم يعد من المقبول أن تستمرّ هذه الأزمات طويلًا دون أن تعرّض مصير البلاد للخطر.

          لقد كان الخلاف كبيرًا في بداية الأزمة حول الطريقة الأنجح لمعالجتها. والإختيارات المتاحة، إذ ذاك كانت كلّها نظريّة. أمّا اليوم فإن الدراسة الموضوعيّة لما طبِّق من سياسات ومراجعة اجتهادات الأمس في ضوئها، يمكن أن تهدي إلى الحلول الناجحة، وتفتح للبلاد آفاق المستقبل. ولا يعني هذا مواصلة الجدل حول السياسة التي اعتمدت خلال السنوات الماضية. إن الحاضر هو الذي يجيب على كل التساؤلات… لكن المهمّ هو الإنطلاق من واقع اليوم الذي ما زالت تميّزه وللأسف مظاهر العنف في التفجيرات التي تحصل والصراعات العقيمة بين من يمارسون السلطة، وتطغى على هذه الزرائع سياسة الإقصاء والتهميش. وهذا الواقع بما فيه، وبما ينبى به يدعو بشكل ملحّ لضرورة إخراج البلاد من الأزمة بحل ديموقراطي شامل يضع حدًّا نهائيًّا للذين يمارسون السلطة…
إن واقع اليوم يتجسّد في جملة قضايا أشير إلى أهمّها:
إنّ العنف والسلاح غير الشرعي ما زالا أبرز مظاهر الأزمة، بالرغم من ضبط الأوضاع الداخلية وهما مازالا كامنين، كالمرض المزمن… وأخطر ما في هذا الأمر هو التعوّد عليه. وظهور السلاح والمهرجانات المتنقّلة، أصبحا من الأحداث اليوميّة المعتادة، تتناولها الصحافة وكأنها تتناول أمرًا حيويًّا … وهذه الظاهرة بانعكاساتها الخطيرة والمتعدّدة تشكّل عاملًا أساسياً في الحياة السياسية… وقد أدّى الغموض الذي يكتنف بعض هذه المظاهر إلى طرح الؤال: ” من يسلّح من؟ ومن يأمر من؟ ” ولم نجد جوابًا على تساؤلاتنا… إن الجيش وحده القادر على ضبط هذه الأوضاع الشاذة من خلال قرار مركزي شرعي يستمد قوّته من الشعب…
إنّ الخريطة السياسية للشعب اللبناني لم تتغيّر، جوهريًا، عمّا كانت عليه في بداية الأزمة. وقد عبّر عن هذه الحقيقة عدد من المسؤولين السياسيين، والإنتخابات التي نظّمت، كانت تفرز خريطة سياسية تتطابق مع رغبة السلطة، دون أن تعكس صورة المجتمع أو تعبّر عن حقيقته. ومعالجة شؤون البلاد على أساس هذه الخريطة أدى في كثير من الأحيان إلى أخطاء كان يمكن تلافيها…
إن اللجؤ للممنوعات لمعالجة الظواهر السياسية، إختيار عقيم. ودسترة هذه الممنوعات لابعاد مكونات الهوية الوطنية عن العمل السياسي، بغية تغيير الخريطة السياسية، لم يكن له إلا أثر سلطوي تمثل في منع الشرفاء من التعبير عن رأيهم …
إن بناء الحكم الديموقراطي، وهو البديل الوحيد الكفيل بوضع حد للظلم، لم يتحقق … وإن ما أنتجته هذه السياسات في السنين الماضية هو صنع مجسّم متقن للحكم الديموقراطي منظره قد يرضي الملاحظ من بعيد، ولكنه لا يشكل الاطار الحقيقي لتسيير الدولة. ولا الرباط الذي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم… وكل المراحل السابقة لم تضع الأسس السليمة لبناء الديموقراطية، ولم تكن في حقيقتها إلا تأجيلًا للبت في الخيار الديموقراطي…
إن السلطة القائمة والتي هي مزيج من سلطات غير متفقة وغير منسجمة، لم تبرهن على فعالية جوهرية في تسيير شؤون الدولة وخدمة المجتمع … وقصور السلطة على تلبية حاجات المواطنين هو المظهر البارز لهذه الحالة. أضف إلى ذلك التخبط في سير مجلس النواب، وضعف ثقة المواطنين به …
إن استمرار الأزمة (أزمة الحكم) أضعف موقف لبنان تجاه القوى العظمى. ونلاحظ قصورًا دبلوماسيا لبنانيًا في شرح ما يحصل من إنتهاكات للسيادة اللبنانية، علّ في ذلك تمرير فترة إبقاء البعض في ممارسة السلطة وعلى حساب المصلحة اللبنانية…
إن التعديلات الدستورية الظرفية، لم تحقق التراكم التأسيسي الذي يضمن الإستقرار، مما جعل العديد من الأصوات ومنها بكركي تطالب بوضع حد للتعديلات الدستوريّة على قياس الرؤوساء… وكل ما يتطلب إجراء تعديلات دستورية ضرورية ومهمّة يجب أن ينطلق من دراسة معمّقة لاييجابيات التجربة الدستورية وسلبياتها، ويأتي نتيجة لنقاش سياسي رصين ينضج هذه التعديلات ويجعلها تندرج في المسار العام لعودة البلاد إلى الأوضاع الطبيعية…
إن الأحزاب السياسية وتنظيمات المجتمع المدني تواجه صعوبات جمة للقيام بوظائفها، باستثناء تلك التي أنشئت لتدور في فلك السلطة… فالعديد من الأحزاب والتنظيمات محاط بسياج من الضغوط و”المؤمرات” تزيد وتنقص حسب قرب الحزب من السلطة أو بعده عنها… وليست هذه التصرفات وتجاوزات محدودة أو ظرفية، لكنها تنطلق من تصور شامل لتسيير الحياة السياسية تمليه إرادة إبقاء البناء الديموقراطي مجرّد واجهة، ورجال السياسة يحرصون في طبيعة الحال على تطابق الحياة السياسية مع هذا البناء. إن تأسيس الأحزاب والتنظيمات الاجتماعية يخضع، في كثير من الأحيان لارادة غير إرادة القانون … والتبريرات التي تعطى لرفض إعتماد بعضها، أصبحت تطرح أسئلة خطيرة.
إن الشعب أصبح يعتبر الانتخابات في جميع مستوياتها مجرد تلويح بالأمل. لأن إستعمال الانتخابات وخلال فترات سابقة، كطلأ ديموقراطي للنظام القائم (وخصوصًا ما حصل في الانتخابات الأخيرة) وبات أداة لتزكيّة السياسة العامّة المرسومة سلفًا لدى أكثرية تعتبر نفسها ممثلة للشعب اللبناني وما أدرانا ما تمثّل ومن تمثّل؟! …
أيّها اللبنانيون، هذا ما خصّ أوضاعنا الداخليّة، أما التحديات الخارجيّة فهي لا تقل أهميّة وخطورة عنها، وهي بالطبع مرتبطة بها من عدّة وجوه… إن العلاقات الدولية تتعرض لعوامل تغيير كبرى، وتأثيرات لم تعرفها من قبل. ولبنان ليس بمعزل عن المتغيّرات التي هي نتيجة للعوامل الآتية:
العولمة، نتيجة تقدّم البشرية في العلوم والتقنيات، ووسائل الاتّصال قرّبت المسافات. نهاية الحرب الباردة التي كان يمكن أن تكون عاملًا مساعدًا قويًا لجني ثمار العولمة بمفهومه السليم، تزامنت  مع ظهور إرادة الانفراد بتسيير شؤون العالم لدى الولايات المتحدة الأمركية. إن اللجؤ إلى القوة في العلاقات الدولية من طرف بعض الدول العظمى وإستحفال ظاهرة العنف من طرف الجماعات والتنظيمات السرية كرد فعل، في الغالب على بعض السياسات الخاطئة ظاهرة سلبية خطيرة. ولكن علاجها على المستوى الدولي مازال يتجاهل أسبابها …
لكن هناك بعض القضايا الملحة تحتاج في ضوء ما تقدم إلى طرح جديد وتوجه أكثر وضوحًا من طرف لبنان:
1.       العلاقات مع الولايات المتحدّة الأميركية : إن حرصنا على تطوير علاقات المصلحة والصداقة مع هذا البلد يجب أن لا يجرنا إلى تغطية السياسة الخارجية الأميركية الحالية بالموافقة أو السكوت تجاه القضايا  العربية المحقّة. ورفضنا للعنف في العلاقات الدولية يجب أن لا يجرنا غلى ربط مشاكلنا الداخلية بالسياسة الأميركية التي تسمّيها “مقاومة الارهاب”، من هنا واجب الإصرار على تطبيق القرار 1559 الذي يتضمن حلولًا جذرية للأزمة اللبنانية دون الدخول في سياسة المحاور.
2.       إن القضية الفلسطينية يجب أن تحظى من لبنان بطرح حازم. لأن ما يجري الآن على الساحة الفلسطينية لا يمثل مسعى حقيقيًا لتسوية سليمة. ولكنه حشد لكل وسائل القوة لترويض الشعب الفلسطيني على قبول ما يراد فرضه عليه. وحمل الحكومات العربية على تزكيّة هذا الفرض. ومن هنا يجب العمل على ضبط المخيمات وإخضاعها لنفوذ السلطة اللبنانية دون شريك لها والعمل على إيجاد حل عادل للمقمين في لبنان بالتوافق مع السلطة الفلسطينية والأمم المتحدة والهدف ترحيل هؤلاء عن لبنان نهائيًا وبشكل يضمن لهم أحقية العودة إلى ديارهم سالمين دون التعرض لهم.
3.       إن البناء السياسي اللبناني، في صورته الحالية، لا يلبي رغبات شعوب المنطقة وتطلعاتها لأنه صمم على مقاس أنظمة الحكم المجاورة القائمة… التي لا تأخذ في الاعتبار تعطش هذه الشعوب لقدر أكبر من الديموقراطية … ومن المفارقات الغربية أن العلاقات الثنائية بين لبنان وسوريا تتجاهل سيادة وإستقلال لبنان.

أيّها اللبنانيون
إن الأوضاع العامّة، التي أشرنا إلى أهمها، وهي محصلة تراكمات عديدة ساهم في صنعها كل من تقلّد مسؤولية عامّة في لبنان. لكننا اليوم مدعوون جميعنا للعمل على إصلاحها وتجاوزها. والمسعى ينطلق من الإعتبارات الآتية التي سنبرزها في المرّة المقبلة.

المحامي الياس خليل

0 Comments

Leave a Comment

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password

Skip to toolbar