المواطنية : ما نعانيه… وما نتطلع إليه

يللا ماغازين – يقول ابن عربي :

                          ” كل شوق يسكن باللقاء … لا يعوّل عليه”

         ونقول تعقيباً، كيف يكون للدولة أن تشتاق إلى مواطنيها، إذا ما خبا هذا الشوق عند كل لقاء مصيري أو مفصلي، فتنأى الأفئدة وتتنافر العقول ؟!

         ونتساءل، لما تقزمت الطموحات وباتت خاضعة لأن تخمد مع كل تقاطع ولو زائف أو مقنّع، يحقق في الظاهر… ليخفق في الباطن.

         الأن البعض بات في موقع الحياد السلبي Neutralite Passive حيث الهامشية تسود على أنقاض روح المبادرة،

         ألأن بعض الأجساد تنقاد بتراتبية جنائزية على وقع الأخفاق وتستسلم متهادية على وقع الخضوع والخنوع، في مسلسل من السوداوية، حلقته مفرغة ودائرته مقفلة.

         أم لأن، هذه الحالة المرضية، باتت مُرضية، فيستعذب المقهور ظلامته ويستطيب الألم!!

         ونسال: إلى أين يمضي المجتمع عندما يؤكد طالب جامعي أنه يدرس القانون ليكتشف كيف يخالفه دونما تبعة!!

         عندما يشدد موظف رسمي أنه اختار وظيفته كون مخصصاتها غير المعلومة،معلومة !!

         عندما تبرر طالبة جامعية إنتسابها ألى “حياة الليل” بحاجتها إلى تبديل جهازها الخلوي!!

         وعندما يفاخر منتسب إلى سلك في الدولة بأنه يمشي عى خطى نسيب له شيّد فيللا بعد عامين فقط في الوظيفة !!

       وبين السؤال والجواب، مسافات ضوئية من الواقعية الجارحة التي تصفع، فهل يكفي أن يُرفع شعار دولة القانون تنظيراً.. للتفكير، ولو توسّله البعض، بدون تفكير، وفقط للتبرير …

              وهل ان دولة القانون هي ذاتها دولة الحق؟!

         وهل ان القانون عادل دوماً وأبداً، ومستوجب التطبيق بحرفيته تحت طائلة المساءلة الآلية، أم أنه كالجسد لا ينبض إلا إذا ما تغلغل الحق في طيّاته وتنفسّه في مواده، وتلفّظه في حيثياته.

         فاين هي مكامن الخلل ،

         وما هي مواصفات المعالجة ؟؟؟

          لا شك ان قراءة موضوعية للواقع المجتمعي المعيوش، تفيد بوضوح باختلال بنيوي يعتور هيكليته، على صعيد الحريات والحقوق، كما وعلى صعيد الثقافة والقيم ،

أولا : على صعيد الثقافة والقيم

         لأن الطفل هو الغد الآتي، فإن للاهتمام بتنشئته الأثر الحاسم والحازم في رسم مستقبله، في عائلتيه الصغرى والكبرى، من هنا الأهمية التي لإعلان الحرب على الأمية، عبر الإلتزام في التعليم كما والمجانية فيه، من دون تمييز أو تفرقة لجميع الأطفال على مساحة الوطن بكامله، وذلك تحت طائلة المساءلة عن اي إستنكاف يطاول بآثاره السلبية المجتمع بكينونيته،

         ولهذه التنشئة الأثر الأفعل في محاربة ظاهرة التسوّل الآخذة في الازدياد بفعل عوامل عدة تتدرّج من الحاجة …. إلى التجارة …

         وإذا ما غفلنا في البدء عن السلبية المتأتية عنها، فإننا لا نلبث أن نصطدم لاحقاً بواقع إنجراف هذا الحدث في الغالب على حياة الشارع “وقوانينه” التي تُخرجه عن الأصول فينحرف على طريق الظلال، من دون أن تكون هناك مؤسسات خاصة للرعاية والتأهيل فلا يكفي أن تتوسّل تشريعاً جديداً لحماية الأحداث المنحرفين، من دون ان نرفقه بتخصصية في الجهاز البشري عبر مساعدات إجتماعيات يعملن على متابعة الحدث في حياته اليومية، كما وفي الجهاز المؤسساتي مع توفير الحماية والعلم للحدث كي لا يظلّ يدور في حلقة مفرغة، ويساهم في إطار ما اكتسبه، في تقدّم مجتمعه،

  على أن المتابعة لا تقف عند هذا الحد، فهذا الطفل سيكبر ليصبح في مرحلة الشباب، حيث حاجته، تكبر معه، الى بيئة إجتماعية حاضنة، عير قيم سامية ترسم به خارطة طريق تحدد مساره ومسلكيته، فتنأى به عن آفات الإدمان، في مقاربة وقائية تجنبه السقوط، وتساعده فيما لو تعثر، على القيام مجدداً، عبر إحترافية في المؤسسات المعنية، للتوجيه والإرشاد، كما ومهنية في التعاطي مع حيثيات القوانين، بهدف المواءمة ببين مقتضيات الحماية وضروريات المساءلة .

         ولا يكون لشخصية الفرد ان تنمو بشكل سليم متوازن، إذا ما تضعضت المعايير الأخلاقية وتهشمت المفاهيم، وسادت ” ثقافة الرشوة”، حيث يتنافس الكثيرون، من الخاصة والعامة ، على اعتناقها إلى حد الافتخار !!

         فإذا المرتشي قبلة الأنظار بالمفهوم القاسي للتعبير، لينحدر “الآدمي” إلى درك السذاجة والتعبير!!

         وهذه ” الثقافة” المعيوبة والمغلوطة، باتت، بفعل استفحالها، تحتاج الى ثورة لاستئنصالها، ترتيباً للمساءلة وتشديداً للعقوبة، ذلك إن من شأن التغاضي أو التأقلم أو اللامبالاة، قلب المقاييس، فيمسى الارتكاب هو القاعدة ويغدو المرتكبون في سابق لا ينتهي مع زيادة الثروات ” السوداء والبيضاء” في تنافسية تجافي المشروعية وتنافر الصدقية وتطيح بمفاهيم العدالة والكرامة،

من هنا ضرورة العمل على تنفية عنصر الشباب من هذه الآفة، عبر الآلية الآتية :

  • إعتماد معيار الكفاءة دون غيرها، في الامتحانات والمباريات المدرسية والجامعية … والوظيفية والإدارية والمهنية،

  • تشديد العقوبات الجزائية بحق الراشي والمرتشي ،

  • تكييف الحصانات مع أصول الملاحقة

  • إعتماد سياسة التحفيز والمكافآت في مجالات العمل والوظيفة كما وسياسة التشهير بالمرتكب،

  • تفعيل هيئات الرقابة والتفتيش والملاحقة والتأديب ومدّها بصلاحيات موسّعة، إتهاماَ وفصلاً،

  • إعتماد سلسلة رتب ورواتب جديدة لموظفي القطاع العام تؤمن للموظف كرامة العيش، وتنأى به وعائلته من مخاطر العوز والفاقة.

  • تفعيل نشاطات هيئات المجتمع المدني في هذا المجال لا سيما عبر محاضرات التوعية والتوجيه على مساحة الوطن،

  • لحظ فصل في كتاب التربية المدنية يعرّف بهذه الآفة، ويبرر سيئاتها على صعيد الوطن والمواطن، مشدداً على ضرورة الابتعاد عنها .

  • إنشاء مؤسسة وطنية تُعنى بمتابعة واقع هذه الآفة على الصعيد الوطني، في القطاعين العام والخاص، على أن يُصار إلى اعتماد تقرير سنوي يبين واقع الحال، لا سيما مع انهيار مرتبة لبنان في اللائحة الاقليمية والدولية للفساد، “وإرتقائه” إلى درجة متقدمة على صعيد الدول التي تستشري فيها هذه الآفة،

ثانيا : في الحريات والحقوق

         من المشاهد، على مر الأزمنة، أن تطور الأمم إنما إنبثق من حركية هيئات المجتمع المدني، على تفاوت التعريفات والتصنيفات،

         وما كانت مبادىء المساعدة والحرية لترى النور وتترسّخ تقنيناً، لو لم يعتنقها المجتمع المدني ويناضل في سبيلها،

         ذلك أنه وفي موازاة التشريعات الجامدة التي لبّت في بعض الحالات رغبات السلطة وشهوات المسؤولين، ولما تتمكن، في البعض الآخر من مجاراة ركب التطور ، تبدّت الحاجة الى ترسيخ مبادىء ومفاهيم سامية جامعة عابرة للقارات والأجناس والأديان ، فكان الإعلان العالمي لحقوق الانسان هو الإطار الذي تفرّغت منه وعنه تشريعا ، عُنيت بالتطبيق والتنفيذ والملائمة وساهمت ولو بشكل تنسبي ومتفاوت، تبعأً لحيثية كل حال، في نشؤر المفاهيم الرائدة وترسيخها،

         ولبنان، إلتزم فق مقدمة دستوره، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن تتجسد هذه المبادىْ في جميع الحقول والمجالات من دون استثناء .

          بيد ان هذا الألتزام ، تبددت دونه معوقات على صعيد الواقع المعيوش، لا سيما لجهة المساواة بين المواطنين،

  • فقانون الجنسية يميّز بين الرجل والمرأة، إذ هي على عكسه محرومة منح الجنسية لزوجها حتى انها لا تتمتع بالحقوق عينها التي تتمتع بها الزوجة الأجنبية التي تتزوج من لبناني، فما هو التبرير اليوم لتراخي هذا التمييز؟؟

وألا ينعكس هذا الواقع المرّ، إنتقاصاً من موقع الأم لدى أطفالها التي لا يعترف لها وطنها بما هو حق لها، تجاههم، سواء برابطة الدم او برابطة الأرض،

ألا يشكل هذا التمييز، عنصرية في المقاربة ، وتغليباً لموطنة جنس على آخر، دون مواطنة!! فنصبح أمام مواطنين ينتسبون لدولة واحدة، ولكن بدرجتين متفاوتتين!!

ألا يعني هذا التفرق “الدوني” عودة إلى عصور التحجّر !!

من هنا ، ولأنه كذلك، تتبدى الحاجة الماسة والقصوى إلى تعديل النصوص في قانون الجنسية، على ما انتهجه محيطنا العربي أخيراً بالرغم من خصوصيته ( مصر- ألأردن) ولا ضير، من فرض شروط على ما توسلته فرنسا عندما شددت من إجراءات منح الجنسية ، بالنسبة الى الزوجين سواسية بحيث أن تنفيذ آلية منح الجنسية، تجدّه ضوابط في الزمان والمكان، وحتى بضرورة الإنجاب، وهو ما يعتمدة حالياً الامن العام اللبناني، بالنسبة الى زواج اللبناني من أجنبية لا سيما من دول أوروبا الشرقية، حيث يصار الى عدم منح الجنسية للزوجة في هذه الحال إلاّ إذا ما ثبت تراخي الزواج لمدة لا تقل عن سنوات ثلاث ، مع تحقق الإنجاب،

  • أما قانون الزواج، فيميز بين المواطينين، انطلاقا من الخصوصية الطوائفية التي ترعى مسالة الأحوال الشخصي، حيث لكل طائفة قانونها الخاص  في هذا المجال وفي هذا خروج عن جيثيات الإعلان العالمي بحقوق الانسان، حيث للرجل والمرأة،عندما يبلغان سن حق الزواج وتأسيس عائلة من دون قيد بسبب الجنس أو الدين مع تمتعهما، كليهما بحقوق متساوية عند الزواج وفي أثنائه وعند انقضائه

والتبرير للخصوصية الطائفية في لبنان، ينسحب على صيغة الزواج، حيث يُحرم الزواج المدني في لبنان، مع تشريعه عندما ينعقد خارجا!! في إطار من ” الإزدواجية المرضية” التي جعلت عدداً من المشاكل يثور وأهمها :

 جهل الزوج اللبناني في الغالب لحيثيات القانون الأجنبي الذي ينعقد زواجه في ظله،

  • عدم معرفة القاضي اللبناني بالقانون الأجنبي، الغريب عنه، والذي سيحكم وفقا لمندرجاته، باسم الشعب اللبناني !!

  • التناقض البيئي والاجتماعي في غالب الأحيان بين دولة العقد ودولة المتعاقد، ما ينسحب على آلية الطلاق ونظام الاموال والحضانة والحراسة ومفهوم النظام العام،

  • التناقض في المقاربة عندما يتزاحم زواجان مدني زديني فاذا ما أبطل احدهما، ما هو التأثير على الثاني!

         يبقى أن معالجة النواقص هذه، لا يمكن ان تقوم إلا عبر المواءمة بين الخصوصية الطائفية التي تحظّر ومقتضيات التطور التي تبيح وتبرّر، عبر تشريع يجنب القاضي اللبناني الالتحام مع القوانين الأجنبية ويجعلة على تماس مع مفاهيم ومبادىء معروفة ومعلومة موحَدة وموحِدة،

  • في العمل والضمانات الاجتماعية والصحية

         إن مسالة الضمانات الاجتماعية والصحية للمواطن باتت معضلة تتفاقم يوماً بعد يوم، لتحدّ من الحركية المجتمعية، وتحصر إهتمام شريحة كبرى من المواطنين بكيفية تأمين الاستشفاء وتوفير الضمانات الاجتماعية، فينعكس النمو وينكفىْ المؤشر العام الاقتصادي على الصعيد الوطني إلى درجات متقهقرة لا تتناسب  وطاقات المجتمع الطامحة لكن المقموعة عبر التعديل الاضطراري في سلم الأولويات، ما يجعل من الأهمية بمكان تفعيل النظام الاجتماعي في لبنان، الملازم بحقوق المواطن الأساسية ، التي لا غنى عنها لكرامتهم وللنمو الحر لشخصية كل منهم، على أن التصدي للاشكالات هذه، على تشعبها، وغير القابلة للحصر. لا يكون مباحاً ومتاحاً إلاّ إذا ما قامت السلطة القضائية المستقلة الضامنة للحقوق، حيث لكل إنسان الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة ونزيهة، نظراً عادلاً علنياً، للفصل في حقوقه وإلتزاماته،

    ما يجعل الحاجة  متعاظمة إلى مراجعة النصوص التي ترعى نشأة هذه السلطة وآلية ممارسة عملها، هذا فضلاً على تفعيل نصوص اصول المحاكمات لا سيما الجزائية منها لتأمين الحماية كما ولتوفير الضمانات من أجل سير المحاكمات ،

         بالاضافة الى مراجعة القوانين التي هي على تماس مباشر مع مصالح الناس لا سيما قوانين الأجور التي ما زالت لتاريخه ومنذ سنوات طويلة وتتصف بالصفة الاستثنائية

… هو غيض من فيض ما نعاني،…  هو نذير يسير مما نتطلع إليه ….

          فالحق ، لا يمكن الا ان ننحاز الى دولته بالسليقة ،

         وإذا ما كان الخيار بينه وبين أي دولة أخرى، مهما عظم شأنها وعلت وقنّنت،          فبالغريزة ننضوي تحت لوائه، معتنقين  قيَمه عن قناعة،

         ولو انه ما ترك، لمن يتمسك به صباحاً

    المحامي الياس عقل خليل

0 Comments

Leave a Comment

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password

Skip to toolbar