الرابطة المارونية إلى أين!؟

يللا ماغازين

بقلم الياس كسّاب*

*(إنّ هذا المقال يعبّر عن موقفي الشخصي البحت)

“كان يوم الحادي والعشرين من شهر آب 1952 يوماً مميزاً بالنسبة للموارنة في لبنان. إنه تاريخ تأسيس الرابطة المارونية من قبل نخبة من رجال الفكر والاختصاص. وقد انتخبت أول جمعية عمومية عامة لأعضاء الرابطة السيد جورج تابت رئيساً ثم تلاه الرؤساء: الدكتور الياس الخوري، السيد جان أبو جودة، الأستاذ شاكر أبو سليمان، الأستاذ ارنست كرم، الأستاذ بيار حلو، الأمير حارس شهاب، الأستاذ ميشال إده، والدكتور جوزيف طربيه. تضم الرابطة في صفوفها حالياً رؤساء جمهورية سابقين، وأعضاء في المجلس النيابي، ووزراء، وموظفي الدولة من الفئتين الأولى والثانية، وضباطاً كباراً متقاعدين، وقضاة، ورؤساء هيئات اقتصادية واجتماعية، ورؤساء مؤسسات، ورجال فكر مميّزين في كل الاختصاصات. إنّ الرابطة المارونية جمعية خاصة لا تتوخى الربح بل تموّل عن طريق رسوم الاشتراك السنوية التي يسددها المنتسبون إليها بالأضافة إلى الهبات.

 

تشكل الرابطة فريق ضغط أسس كي يدعم لبنان الحر المستقل التعددي والديمقراطي حيث يتمتع جميع المواطنين بالحقوق والواجبات بطريقة متساوية لازمة لاستمرارية العيش المشترك وتعزيز السلم الأهلي في الوطن.

 

تضم الرابطة حالياً ما يقارب 1000 عضو من النخب المارونية كما أنّها تقبل انتساب عدد محدود من الأعضاء كل سنة”.

 

إنّ المتصفح لصفحة بكركي الإلكترونية يقرأ ما ورد أعلاه، فيجد هذا التعريف الماروني “الرسمي” للرابطة المارونية، فهي، إذا جاز التعبير، تجمّعٌ “للنخب” المارونية، البورجوازية منها ربما، من سياسيةٍ، وبيروقراطيةٍ، عسكريةٍ أو سياسيةٍ، أو فكريةٍ (وهنا أرسم علامة استفهام حول وجود هؤلاء المفكرين الموارنة ودورهم الحالي في الرابطة)، وحددت لموظفي الدولة منهم أن يكونوا من موظفي الفئتين: الأولى، والثانية، وعلى الأقل لم نجد في هذا التعريف ما يميز الانتماء الماروني “جغرافياً”، فكلنا أبناء مارون، في زمن، ليس الموارنة وحدهم في خطر، بل لبنان، ورسالته التي رسمها الموارنة عبر العصور: رسالة، لا تتوسع أفقيّاً، بل عاموديّاً، تجعل من تلاقي الحضارات رسالةً إنسانيةً متصاعدةً نحو الله.

إنّ في الوجدان التاريخي للموارنة حبور بطاركةٍ “عُصِيُّهم من خشب، وقلوبهم من ذهب”، ووضاعةُ كهنتهم ورهبانهم الفلاحين، وغبار الأرض المقدس على جببهم الطاهرة، وبصمة الشمس على جباههم الأبية، وزهد نُسّاكهم القديسين، ونتاج سواعد أجدادهم الخيّرة، ودبيب المعرفة في صغارهم “تحت السنديانة”، وفكر الثورة الفرنسية في مدارسهم، من عدالةٍ وإخاءٍ وحريّةٍ ومساواة، ونزعة الماروني للثورة على الظلم والاضطهاد، حتى لو أتى من ظلم ذوي القربى! فحذارِ، إن طانيوس شاهين لكائنٌ حيٌّ في ذاكرة الماروني الحضارية، وثورة يوسف بك كرم مُتأهبةٌ دوماً، غير عابئةٍ بالمتآمرين مع “والي الشام”، أو حتى مع “السلطان”، أي سلطان، إن كان قابعاً في اسطنبول، أو في بلاد المغول من مجاهل الزمان.

بكل محبة، وحرص على الرابطة، أقول: إذا لم تمثل الرابطة المارونية الوجدان الماروني هذا، فهي “صنج يرن”  في كل موسم انتخابات فيها، وصوتٌ صارخ، ليس في “البريّة”، بل في العدم.

إنّ الحرب الأهلية اللبنانية علمتنا أنه لم يكن لهذه الرابطة الدور الفعّال المناط بها، فهي، وإذ تضم رؤساء جمهورية ونواباً ووزراء، وفعالياتٍ إقتصاديةً وفكريةً، بحسب ما جاء في تعريفها، كانت قاصرةً عن تفعيل الدور المعطى لها إلى أبعد الحدود، فمنذ نشأتها لم تكن قادرةً على النقد الإيجابي للواقع الماروني، وعلى تطوير “المارونية السياسية” التي كانت في أساس استقلال لبنان وازدهاره، فركنت لهذا الازدهار كأنه الشرط الكافي للاستقرار.

فالازدهار أيام الرئيس الراحل كميل شمعون لم يكن كافياً لتحصين الوطن، فكانت فتنة ١٩٥٨، فبدل أن تكون الرابطة ضمير الوطن، فتعكف على نقد مرحلة بدايات الاستقلال لاجتراح الحلول الوطنية، لترشيد الكنيسة والسياسيين اللبنانيين، والموارنة منهم بشكل خاص، نمنا على حرير وسادة تدخل آيزنهاور وأسطوله السادس.

كذلك، لم يكن الازدهار كافياً أيام الشهابية السياسية، فلقد غضت الرابطة النظر عن انحراف السلطة نحو “المكتب الثاني” والعسكرة، فثار اللبنانيون، والموارنة أولهم، في سبيل الحرية، وكلنا يذكر انتفاضة “الحلف الثلاثي”، (شمعون، الجميل، وإده)، فعوض أن يكون للرابطة تحليل دوغماتي، ودراسات استراتيجيةٌ توضع بتصرف ضمير لبنان، أي بكركي، ومن ورائها رئاسة الجمهورية، تركنا السياسيين يقودون حملة الحريات، وهي مقدسة بالطبع، ولكن على أنقاض الأمن، فانهارت المؤسسة العسكرية بدلَ أن تُقوّم، وانحدر الأمن انحداراً كارثيّاً أفضى إلى توقيع اتفاق الشؤم، أي إتفاق القاهرة سنة ١٩٦٩، ومعه أضحى للمنظمات الفلسطينية جيشٌ يفوق بأضعاف جيشنا الوطني عُدّةً وعدداً، حتى استباحت لبنان الحرب الأهلية، ووجد اللبنانيون، والمسيحيون منهم عامةً، والموارنة منهم خاصةً، أنهم ملزمون على القيام بما اعتقدوا، وحتى ١٣ نيسان ١٩٧٥، أنّ على الدولة القيام به للدفاع عنهم وعن لبنان وحريته وسيادته. وحين لم يأتِ “الأسطول السادس”، في الواقع العالمي الجديد المبني على المصالح، لا المبادئ، استقدمنا نظام البعث يعبث باللبنانيين، كل اللبنانيين، فحلل دماءهم ودماء زعمائهم، وتغلغل فكر الوصاية في العقول، ولمّا يزل، وانبرى فينا، نحن الموارنة قبل غيرنا، من يُنَظّر للديكتاتور، حتى بعد خروج الاحتلال السوري سنة ٢٠٠٥، وكأن هناك من يريد أن يُخيّر اللبنانيين بين قدرين لا ثالث لهما: إما الإرهاب، وإما الدكتاتور. هذا، لعمري، قمةُ القصور الفكري والسياسي في عصر ندعي فيه أننا أصحاب الفكر والثقافة في هذا الشرق الحزين.

لقد عاد الوطن إلى الحرية على دماء من استشهد، وعلى نضال المغيّبين والمعتقلين والمخفيين منهم، ومن كل الطوائف، وعاد زعماءٌ من السجن، ومن المنفى، وارتقى بعضهم أعلى المراتب، صعوداً حتى الرئاسة الأولى، ولكن، وللأسف، لم نستطعْ أن نُحرّرَ الإنسان فيه، لأنّ الخنوع مرضٌ مُعدٍ عند الشعوب، لا تشفيه إلا مراجعةٌ نقديّةٌ تاريخيةٌ وفكريةٌ، نعترف فيها بالإساءة لبعضنا البعض، تماماً كما حصل في أفريقيا الجنوبية، مراجعةٌ وجدانيةٌ تؤدي إلى استراتيجيّةً لمارونيةٍ سياسيّةٍ جديدةٍ، ومتجدّدة، تُقدَّم لبكركي، ولبكركي وحدها، فهي وحدها أعطيت مجد لبنان، لا لزعيم، ولا لسياسي، فهؤلاء في أكثريتهم منغمسون بالفكر التكتيكي البحت، والقائم على المغانم، وتقاسم الحصص. هذه مسؤولية بكركي التاريخية في مئوية لبنان الكبير، وحيث بدأنا نستشف من الأحداث المتسارعة في المنطقة موتاً سريريّاً لاتفاقية سايس بيكو، وإمكانية إعادة توزيع التركة العثمانية في هجمةٍ هي الأعنف، ليس طائفيّاً فحسب، لا بل مذهبيّاً، وقد تهدد “لبنان البطريرك الحويّك”. هذا اللبنان الكبير مُهدّد اليوم أمام السلاح المتفلت مجدداً بغياب سياسة دفاعية لبنانية واحدة، وفي عودة الصراع الإقليمي على أوجهِ، واستنفاره الصراع الطائفي والمذهبي، كما ذكرنا، وبأبشع الصور.

لا ندري متى نُجبَر على استحضار “الحويّك” الجديد، ليشارك في مؤتمر عالمي، ربما، للبحث بمصير لبنان، بالطبع ليس في “مربط خيلنا” باريس، بل ربما في موسكو، أو بكين، أو أية عاصمةٍ أخرى، من يدري؟!

الثابت أن مكان المفاوضات الجديد لن يكون مريحاً، بل ربما سيكون مُحرِجاً، ولن يكفي أن نتأبط الميثاق الوطني في أن لا نكون للشرق مقرا، ولا للغرب ممراً، ولن تنفعنا بنود اتفاق الطائف حتى، بل قدرة الموارنة على رسم استراتيجية جديدة قادرةٍ على إقناع الشركاء في الوطن أن لبنان الرسالة يستأهل منا المغامرة مرةً أخرى، وعلى إقناع الدول مجدّداً أن هذا اللبنان جديرٌ بالحياة.

طموحنا أن نرى هذه الرابطة تلعب هذا الدور، فتكون مركز دراسات استراتيجية، تأخذ على عاتقها، وبجدية، مسؤولية “السلم الأهلي والعيش المشترك” وتدعم “لبنان المستقل الحر التعددي” المساوي بين أبنائه بالحقوق والواجبات، كما ورد في التعريف عنها، وتدرس بعمق تاريخنا، ومكامن القوة والضعف فيه، فتضع بين يدي البطريرك مشروعاً وطنياً قابلاً للحياة، مقبولاً من كل اللبنانيين.

ولكن، لا نعتقد أن الرابطة المارونية، بتركيبتها الحالية، مؤهلةٌ لأن تلعب هذا الدور، لأن السياسيين، وقد فقدوا بمعظمهم ثقة الموارنة واللبنانيين، أعضاء فيها، وها هو رئيسها المنتخب (والذي نجل ونحترم)، يفتخر بتعاونه مع الأحزاب السياسية في هذه الانتخابات، وعليه، فعوض أن تكون الرابطة مؤسسةً استراتيجيةً ضميريّةً، غير سياسية، جعلناها مسخاً يتنازعه المسؤولون السياسيون السابقون أو الحاليون لحماية نفوذهم الشخصي في عمليةٍ إنتخابيةٍ رخيصةٍ هي نسخةٌ عن الصراعات السياسية المارونية المهترئة التي هي وحدها وراء انهيار الدور السياسي الفكري والأخلاقي للموارنة.

من رحم هذه الرابطة، نشأت “المؤسسة المارونية للانتشار”، كنموذج مخالف لعقم هذه الرابطة، وعدم إنتاجيتها. بتضحيات أعضائها نشأت، وعلى رأسهم الوزير ميشال إده وآل افرام الكرام، ربما لشعور مؤسسيها بأن لا مكان لانطلاق أي مشروع من داخل الرابطة المارونية.

لماذا نجحت المؤسسة المارونية للانتشار؟

نجحت لأنها خرجت إلى الموارنة تبحث عنهم أينما كان، في دنيا المعمور، مؤمنة بدور كل ماروني، في لبنان، وفي العالم، ولإعادة الموارنة والمسيحيين وكل اللبنانيين من كل الطوائف إلى حضن الوطن، ولاستعادة الجنسية للمغتربين والمتحدرين، فأسست مكاتبها في الخارج، وتعاونت مع الجميع، كنيسةً، رسميين، ومؤسسات إغترابية، فاستحقت احترام اللبنانيين بتجردها وبتركيزها على المهمة التي أُسِّست من أجلها، ولم يكن لهذه المؤسسة أن تنشأ لو كانت الرابطة المارونية تقوم بهذه المهمة الأساس، والتي تضطلع بها المؤسسة المارونية للانتشار اليوم، ولكن، وللأسف، فإنّ الرابطة متقوقعةٌ دون طموح، تكتفي بهيكليةٍ ورقيةٍ تعبّئ الفراغَ بحضور بروتوكولي شكلي.

فكما خرجت المؤسسة المارونية للانتشار في العالم تبحث عن أبنائها، على الرابطة أن تخرج إلى أبنائها في لبنان، كل لبنان، في الأطراف قبل غيرها، لأن أبناء الأطراف دفعوا فاتورة قصورنا عن حمايتهم، وهم لم يقصروا، لأنهم، كانوا وما زالوا، خزان جيشنا الوطني، وعماد الدفاع عن لبنان، فدفعوا ثمن الحرب شهداء وتهجيراً فيما غيرهم تنعم بالمكاسب السياسية والمالية.

إننا ندعو صاحب الغبطة، نيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، إلى إعادة النظر في دور ومهمة الرابطة المارونية، كما ندعو مسؤولي الرابطة وأعضاءها كي يقيّموا هذا الدور ليكون بمستوى المسؤوليات الملقاة على الموارنة في أدق مرحلة من تاريخهم، لتكون المؤسسةَ الفكريةَ الاستراتيجيةَ الجديرة بأن تحمل روح التراث الماروني الفكري، والفلسفي، والوطني، القادرةَ على دراسة الماضي، وتحليل الحاضر، والتخطيط للمستقبل.

فإما أن تكون هذه الرابطة جديرةً بحمل بركة الكرسي البطريركي أو لا تكون!

Alfred Baroud667 Posts

President / editor in chief YALLA yalla magazine yalla web radio

0 Comments

Leave a Comment

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password

Skip to toolbar