الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم ١٩٥٩-٢٠١٩: ستون سنة من النضال وتستمر بقلم منسق المجلس الرئاسي الياس كسّاب

يللا ماغازين – اغتراب – في نهاية الأسبوع الثاني من شهر آذار نحتفل والمغتربين، وككل سنة، باليوم العالمي للمغترب اللبناني. وإذ نحن على مشارف هذا اليوم، الذي أقرته الحكومة اللبنانية سنة ٢٠٠٠ بناءً على تحرك الجامعة والجالية في المكسيك، وأمام تمثال المغترب – الرمز، المشرف على مرفأ بيروت، وإزاء هذا التمثال المزروع حول العالم من قبل الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، من أمريكا اللاتينية، إلى أمريكا الشمالية، وحتى القارة الأسترالية، نقف بخشوع أمام تضحيات المهاجرين الأوائل، الذين كفكفوا دموع جداتنا وأمهاتنا بعد المجاعة، وساهموا في النهضة الاقتصادية للبنان، وألهبوا شعلة الحرية، ليس في لبنان فحسب، بل في العالم العربي أيضاً، نتيجة نهضة مهجريّةٍ أطاحت بالتتريك، وساهمت في حركات التحرر في شرقنا العزيز.

وما أن استقل لبنان، حتى اندفع مغتربوه يستثمرون فيه، فغدوا عماد الاقتصاد اللبناني، يضخون في شرايينه الحياة، ويشدون في جسده العصب.

لقد أدرك الرئيس الراحل فؤاد شهاب، ورفاقه في الحكم آنذاك، أهمية الاغتراب، وأن ينتظم أبناؤه في منظمةٍ تمثله، فانطلقت الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم من المكسيك سنة ١٩٥٩، واستطاع الرئيس شهاب، وببعد نظر، وبدعمٍ كبير لها، أن يوازن بين أمرين، لم يتعوّد اللبنانيون عليهما من قبل:

* أن تكون خلف الجامعة قوةُ الدولة، وقدراتها المعنوية، مع مساعدةٍ ماديّةٍ رمزية.

* أن تحافظ الجامعة على استقلاليتها كمنظمةٍ إغترابيةٍ، فلا سلطة سياسية تسيطر عليها، فنشأت منظمةً غير حكومية، هاجسها دعم لبنان في المحافل الدولية، والدفاع عن مصالح المغتربين في لبنان، وفِي بلدان الإقامة. (إن المُراجع لكلمات وزير الخارجية فيليب تقلا في الجامعة والمغتربين يتأكد من هذه السياسة التي أرساها عهد الرئيس شهاب).

لقد أضحت الجامعة المؤسسةٓ اللبنانيةٓ الوحيدة البعيدة عن المحاصصات الطائفية، والتدخلات السياسية (والعشائرية)، فحين انتخب رؤساء الجامعة العالميين لم يخطر ببال أحد من أعضائها أن يلتفتوا إلى الانتماء الطائفي، كون أعضائها تأثروا بما ينعمون به من انفتاح وديمقراطية في بلدان الإقامة من جهة، وكون السياسيين اللبنانيين لم يشعروا آنذاك أن هذه المنظمة الاغترابية ستشكل رافعةً لأحد، أو تكون تهديداً لأصحاب النفوذ والسطوة على أرض الوطن من جهةٍ أخرى.

ولما أضحى المغتربون قوّةً لا يستهان بها، جماعاتٍ وأفراداً، ووقع لبنان فريسة المؤامرة عليه، واستباحت أرجاءه الحروب والصراعات الإقليمية، كانت عين الوصاية على الاغتراب، كي تُكمّٓ الأفواه، بالترغيب حيناً، وبالترهيب أحياناً.

ولما كانت الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم واجهةٓ هذا الحضور الاغترابي، كان لا بد من شلِّ حركتها، فانصبّت الجهود لاستيعابها، فكانت عصّيّة، حاولوا تهميشها، فلم يستطيعوا، فحاولوا إلغاءها دون طائل، فكان لا بد من شرذمتها، وكان ما كان، من محاولات تقطيع أوصالها، ولكن صمدت مجموعة الانتشار الكبرى التي ناضلت كي تبقى مستقلةً، واستحقت أن تكون عضواً في المنظمات غير الحكومية التابعة للأمم المتحدة، واكتسبت شرعية الأرض التي هي في الاغتراب أهم بكثير من الشرعية الرسمية، لأنها ما توسلت أبداً أن تكون مؤسسةً حكومية، ولن تتوسل ذلك.

وبعد أن خرجت الوصاية من لبنان، كنّا نتوسم في زمن الحرية الجديد أن تُنصفٓ الجامعة، وأن يكافئها الذين شاركتهم نضالهم في سبيل حرية وسيادة لبنان على صمودها، ولكن، للأسف، لم تخرج ذهنية الوصاية من نفوس اللاعبين القدامى، وتوجس منها خوفاً بعض اللاعبين الجدد، لأنهم تعودوا، وللأسف، على تجميع محاسيب يصفقون لهم دون نقاش! ولأن الجامعة لا تصفق مجاناً، ولأنها تراقب، وتحاسب، ولأنها ضمير المغتربين الحي، أصابتها سهامٌ “صديقة” لم نتوقعها!

نحن نقول هذا الكلام لا لننكأ الجراح، بل لنصوب الأمور، لأن كلاماً كثيراً يُقالُ وينشر في هذه الأيام، في غالبه بعيدٌ عن الواقع، وصادرٌ عن أفرادٍ همهم الوحيد مصالحهم الشخصيّة.

نحن، وبكل محبة، المنظمة العالمية الراسخة، ومهما حاول البعض إطلاق النعوت على الجامعة، أو حاول اقتطاع نتف منها، فسيرجع خائباً يحمل سراباً سيتلاشى، فنحن مؤسسةٌ ستبقى، وبفخر، مستقلةً، ولن نذعن لسياسة المتنفذين، وسنبقى مزعجين لمن ينال من المغتربين والمقيمين وحقوقهم، ولمن يغرق لبنان بالصراعات الإقليمية، ولمن أعمته مصالحه الشخصية من السياسيين اللبنانيين. وإنه لمن الإهانة، لنا، ولكل مغترب، أن يستمر البعض في محاولات النيل من الجامعة، هذه المحاولات لن تزيدنا إلا إيماناً وصلابةً في ترسيخ دعائمها كخط دفاع مدني عالمي عن لبنان.

نريد أن نسامح على كل ما تعرضنا له طوال سنوات، وما زلنا، من تطاولٍ وتدخلاتٍ وضغوط، وما خلفته السنوات العجاف من قهرٍ ممزوجٍ بالغضب أحياناً، وبالأسى أحياناً أخرى. نحن نريد أن نسامح من أجل لبنان الذي تهون من أجله كل التضحيات.

ولكننا لن ننسى، لكي يكون الماضي عبرةً، ولكي نعي حقيقةٓ الواقع، ولكي نطور للمستقبل جامعةً إغترابيةً مستقلةً تستمر بدورها الرائد في دنيا الاغتراب. من هنا فإنّ ردنا العملي، على كل ما حيك، ويحاك، فهو بالعمل المستمر الذي لم ينقطع، والذي أفضى لتطوير قوانين الجامعة، وجعلها مؤسسةً ممكننةً عصريةً، قادرةً على استيعاب الأجيال الجديدة من المتحدرين، والمغتربين، والمهاجرين الجدد، وما نشاطات المجلس العالمي للشبيبة إلا خير دليلٍ على ما تقدم. ولا يسعني هنا إلا أن أستذكر، وبخشوع، شهيدة الشبيبة مارييل بابيتا كرم، رئيسة فرع شبيبة مندوزا في الأرجنتين، والتي قضت وهي عائدة إلى مدينتها من مؤتمر للشبيبة، والتي عطرت دماؤها الذكية نضال شبيبة الجامعة الذين بهم نفتخر، فبأياديهم يحملون الشعلة ليستمروا في حمل رسالة الجامعة للأجيال القادمة.

ولأننا لن ننسى، لن نقبل إلا أن تناقش، وبعمق، كل القرارات الرسمية المجحفة بحق الجامعة، بعيداً عن تسوياتٍ ومحاصصاتٍ شخصانية، ستبقي على عامل صراعٍ لا طائل تحته، صراعٍ لن نسمح بأن يبتزنا، وأن يجرنا كي نتلهى عن مسؤولياتنا التي ما أهملناها لحظةً أبّان الليالي السود.

إن المتمعن بالنقاش الحاصل اليوم حول قانون الانتخاب، (وحول تجربة اقتراع المغتربين، سلباً، أو إيجاباً، ومحاولة الجميع إعطاء جائزة ترضية للمغتربين بتوزيع ستة نواب عليهم، هذه الترضية التي لن نقبلها، لأننا نريد أن تصب أصواتنا في قرانا وبلداتنا ومدننا في لبنان)، يدرك أن الوطن مأزوم، وأننا، سنرى أنفسنا، كمغتربين، كما كنّا في السابق العضد والسند، سنضحي قريباً عامل التوازن الوطني الذي يجب أن يرفع الغبن عن الجميع ليحل السلام.

إن الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، المستقلة عن الجميع (دولةً وسياسيين)، تستطيع، كمنظمة غير حكومية، وكمجتمع مدني إغترابي غير منحازٍ إلا للوطن، أن تلعب هذا الدور الجديد في إعادة التوازن!

في زمن وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجي تبدلت التسميةٓ التقليدية للمهاجرين، فهم اليوم في قلب الحدث، فلم يعودوا “مغتربين” بالمعنى الواقعي، بل “لبنانيين عاملين في الخارج” بالمعنى المجازي للكلمة، وعليه، فبين الخمسينات، حين تأسست الجامعة، والألفية الجديدة، بعدٌ جديد ودورٌ متجدد لمؤسستنا العالمية، إنها الجامعة-المؤسسة التي نبنيها، ترتكز على تاريخٍ طويلٍ من النضال الذي قمنا به في أحلك الظروف، مستقلة، ومؤهلة لأن تنقل هواجس المغتربين، وتطلعاتهم، ومطالبهم، وتناضل كي تتمكنن الإدارة اللبنانية لكي يحصل المتحدرون بسهولة على استعادة جنسيتهم، فيمارسوا حقوقهم التي رسمها الدستور، فهم لم يقصروا بالواجبات.

إن الجامعة تعتبر أنّ المغتربين اللبنانيين خسروا جنى العمر تدميراً في مدن لبنان، فلا يظنّنّٓ أحدٌ أنه يستطيع أن يؤسس لكياناتٍ إغترابيةٍ لغاياتٍ محض إستثمارية دون ركائز قانونية وعلمية جديدة. إنّ أجيال المغتربين الجديدة أجيالٌ، بقدر ما هي حالمة ومتوثبة، بالقدر نفسه واقعية، خاصّةً في الاستثمار، فلا عواطف لدى المستثمرين من الأجيال الاغترابية الجديدة القادرة، ولقد سمعت الحكومة اللبنانية من بعض الناجحين اللبنانيين في الخارج ما يؤكد ذلك، فلا استثمار في لبنان دون تحديث القوانين، فأمام الأزمات السياسية المتلاحقة، والأزمة الاقتصادية الخانقة في لبنان، يبقى المغتربون عاملاً أساسياً في صمود اللبنانيين الاقتصادي بما يرسلون من مال إلى لبنان، مساعدةً لأهلهم، أو استثماراً، خجولاً أو كبيراً، والقضاء على الفساد، وإصلاح وتطوير البنى التحتية، وتحديث التشريعات، كلها ضرورات لإقناع المغتربين للاستثمار مجدداً، فهم قادرون وحدهم على إنعاش الاقتصاد بقدراتهم الهائلة وتجاربهم العالمية، عوض الاستدانة ضمن منظومة إقتصادية وقانونية مهترئة تزيد من العجز بالدين العام.

وأخيراً، وفِي اليوم العالمي للمغترب نقول: إذا كان المغتربون قد بنوا أينما حلوا “لبنانهم”، بالجهد والعرق، والعلم والمعرفة بنوه، وحافظوا على طيبته، يوم غادرتنا الطيبة، وحافظوا على أصالته، يوم خنا الأصالة، هؤلاء يستحقون أن تفيهم ذاكرتنا الوطنية حقهم.

I am text block. Click edit button to change this text. Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit. Ut elit tellus, luctus nec ullamcorper mattis, pulvinar dapibus leo.

0 Comments

Leave a Comment

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password

Skip to toolbar