الجمهورية : إستحقاقات وثلاثة سيناريوهات

ينكشف للبنانيين يوماً بعد يوم، وموقفاً بعد موقف، انّ حكومتهم العتيدة ‏لن تولد قريباً، وأنّ المعطيات الماثلة في ضوء مواقف الأفرقاء السياسيين ‏وحلفائهم الاقليميين والدوليين، تؤكد أنّ الاستحقاق الحكومي ربما ينتظر ‏سنة، أو أقله الى بحر السنة المقبلة حتى يتماثل الى الإنجاز، على ‏رغم من وجود أمل، ولو ضئيل، في أن تولد الحكومة قبل نهاية السنة ‏الجارية‎.‎
يلوح في الأفق الاقليمي والدولي راهناً انّ سوريا مقبلة على احد احتمالين في خلال ‏الاسابيع والاشهر المقبلة: الأول، إيجاد حلول سلمية لوضع المجموعات المسلحة المتطرفة ‏وغير المتطرفة المنتشرة في محافظة ادلب وفي ما تبقى من بؤر لهذه المجموعات في ‏شرق سوريا وجنوبها، بحيث تمهّد هذه الحلول للدخول في الحلول السياسية الفعلية ‏الشاملة للأزمة السورية‎. ‎

أما الاحتمال الثاني، فهو أن تندلع جولة حربية جديدة تنتهي بهزيمة هذه المجموعات أو ‏استسلامها للنظام، او الدخول في المصالحات التي يديرها الروس من قاعدة حميميم، ومن ‏ثم الشروع في وضع الحلول السياسية العملية للأزمة، والتي يُعمل على إنتاجها منذ ‏سنوات بلا جدوى، أو تؤدي هذه الجولة الى إطالة أمد الحرب أكثر، وبالتالي أمد الازمة ‏لسنوات اضافية‎.‎

وبين الاحتمالين يبدو انّ هناك مواظبة اسرائيلية على قصف جوي وصاروخي موضعي على ‏الاراضي السورية، وتُعلن إسرائيل أنه يستهدف مواقع لـ”الحرس الثوري” الايراني ولـ”حزب ‏الله” اللبناني، وأنّ الغاية منه هي “منع وصول اسلحة متطورة” للحزب في لبنان، ومنع ‏تمدده والإيرانيين جنوب سوريا الى حدود الجولان المحتل “بما يهدد أمن اسرائيل‎”.‎

وقد بدأ استمرار هذا القصف الاسرائيلي يثير توقعات ومخاوف جدية من أن يتسبّب شيئاً ‏فشيئاً في تدهور الاوضاع في المنطقة، بما يؤدي الى نشوب حرب جديدة على الجبهتين ‏اللبنانية والسورية. علماً انّ بعض الغارات الاسرائيلية تستهدف احياناً مواقع عسكرية ‏حساسة واستراتيجية تابعة للنظام السوري أيضاً، وذلك بغية منعه من امتلاك اسلحة ‏استراتيجية كاسرة للتوازن‎.‎

وفي ظل تعثّر تأليف الحكومة وتأخره حتى الآن الى ما يربو على ثلاثة اشهر، مع انه لم يبلغ ‏بعد المدة التي استغرقها تأليف حكومات سابقة وراوحَت بين سنة تقريباً (حكومة الرئيس ‏تمام سلام) وثمانية اشهر او اكثر (حكومة الرئيس نجيب ميقاتي)، يسود الاوساط ‏السياسية حديث عن ثلاثة سيناريوهات حول الاستحقاق الحكومي والخلفيات الكامنة وراء ‏تأخر إنجازه والأبعاد‎:‎

o ‎السيناريو الاول: يقول انّ الحكومة لن تؤلف الّا بعد إنهاء الوضع في محافظة ادلب سلماً أو ‏حرباً، وصيرورة الأزمة السورية الى حل سياسي برعاية دولية، وفي هذه الحال يجد الافرقاء ‏السياسيون اللبنانيون، أو غالبيتهم على الاقل، أن ليس من مصلحتهم أن تؤلّف الحكومة ‏حالياً بشروط قد تكون غير مرضية لهم، ويرون انّ من الافضل الاستئخار في تأليفها الى ما بعد ‏استحقاق ادلب، اذا جاز التعبير، إذ لعلّ ذلك يمكنهم من تحسين شروطهم وحصصهم فيها‎.‎

o ‎السيناريو الثاني: هو انّ الحكومة لن تؤلف في المطلق، وانّ العقبات في طريق ولادتها ‏ستتكاثر وتتعاظم بحيث سيكون مستحيلاً توَصّل الافرقاء السياسيين الى اتفاق على تقاسم ‏الحصص من المقاعد والحقائب الوزارية، وسيكون من الصعب في هذه الحال ولادة هذه ‏الحكومة حتى ولو توافر حل للأزمة السورية عاجلاً ام آجلاً، بحيث قد يفرض تعاظم الازمة ‏وتعقيداتها الدخول في تغيير النظام المنبثق من “اتفاق الطائف”، خصوصاً انّ بعض القوى ‏لديه مثل هذه الرغبة، وذلك عبر مؤتمر تأسيسي او غيره من المسمّيات، بغية إقامة نظام ‏سياسي جديد بتوازنات جديدة‎.‎

o ‎السيناريو الثالث: وهو انّ تأليف الحكومة مهما تأخّر سيحصل في النهاية وفق المعايير ‏والتوازنات التي سيتمكن الرئيس المكلف سعد الحريري من التوصّل إليها في مشاوراته مع ‏مختلف الافرقاء، وذلك التزاماً واستمراراً في ما سمّي “التسوية الرئاسية” التي جاءت ‏بالرئيس ميشال عون الى رئاسة الجمهورية، وبه الى رئاسة الحكومة، على ان يحصل اتفاق ‏على الحصص من المقاعد والحقائب الوزارية قياساً على نتائج الانتخابات النيابية التي أجريت ‏وفق النظام الانتخابي النسبي والذي اعتَرت تطبيقه شوائب كثيرة يمكن تلافيها لاحقاً، فلا ‏يكون في الحكومة “ثلث وزاري معطّل” لفريق سياسي بعينه وإنما يكون له ولحلفائه، وذلك ‏حفاظاً على التوازن ومنعاً لتفرّد فريق واحد بمصير الحكومة، وبالقرار على مستوى السلطة ‏التنفيذية‎.‎

وبعيداً من هذه السيناريوهات الثلاثة، يتوقف بعض السياسيين عند الوضع الاقتصادي والمالي ‏الذي يحذّر كثيرون من أهل الاختصاص ومؤسسات دولية من أنه مهدّد بالتعرض لاهتزارات او ‏انهيارات نتيجة الاستحقاقات المالية التي تنتظر الدولة بين نهاية السنة الجارية ومطلع السنة ‏الجديدة، ويقول هؤلاء انّ هناك احتمالا كبيرا لأن يتفوّق هذا الوضع على العامل السياسي، ‏ويضغط على السلطة وعلى الافرقاء السياسيين المختلفين على التشكيلة الوزارية ‏ليسارعوا الى الاتفاق لكي تولد الحكومة وتنطلق سريعاً الى معالجة الاستحقاقات المقبلة ‏ووقف التدهور الاقتصادي والمعيشي، لكنّ حصول هذا الضغط من عدمه سيظهر في خلال ‏ما تبقّى من السنة الجارية ومع اقتراب مواعيد الاستحقاقات المالية

0 Comments

Leave a Comment

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password

Skip to toolbar