بقلم الكاتب والباحث السياسي بسام ضو – حذار إهمال الدستور

يعتبر العلم السياسي وبكل مندرجاته أنّ الرقابة على الدستور تُعد الوسيلة الأنجع لضمان إحترامه وسموّ شأنه على باقي القوانين . كما يؤكد العلم السياسي أنّ هذه الرقابة يجوز أن تكون رقابة سياسية عندما يُعهد بها إلى هيئة سياسية – قانونية تتولاها هيئة رقابية قضائية إشتراعية . كما يؤكد العلم السياسي أنّ الدستور هو مجموعة القواعد القانونية التي تحدد التنظيم السياسي في دولة معينة ، كما يشرح العلم السياسي الدستور على أنه :” مجموعة القواعد القانونية التي تنظم كيفية ممارسة السلطات وتكفل الحقوق والحريات الأساسية للأفراد والجماعات وتشتمل على القيود والحدود التي لا يجوز للسلطات أن تتعدّاها في ممارسة صلاحياتها ” . وهنا نؤكد على أنّ فخامة رئيس البلاد تخطّى حدوده الصلاحية في توقيع مرسوم التجنيس رقم 2942 ، الذي صدر بتاريخ 11 أيّار 2018 مخالفا مقدمة الدستور وتحديدًا الفقرة – ط – التي تنص على عدم التوطين ، علمًا أنّ هذا المرسوم شمل عددًا لا يُستهان به من السوريين والفلسطينيين . ويأتيك من يُبرّر تلك الأفعال قائلاً إنّ فخامة الرئيس يستعمل صلاحياته ، وقد تناسى هؤلاء المُبررين أنّ الدستور لا يُجيز إطلاقا تخطيه لأنّ سمو الدستور يُعد من النتائج الهامة لمبدأ المشروعية في الدولة  Le principe de la légalité  ، وأهم مظهر من مظاهره . ومن أراد من القارئين التأكد ممّا قلناه عليه مراجعة ما كتبه الدكتور محمد مجذوب في كتابه ” القانون الدستوري اللبناني وأهم النظم السياسية في العالم ” الصادر عن جامعة بيروت وتحديدا في العام 1999 الصفحة 59 .

 ليعلم أهل السلطة في لبنان وعلى كافة المستويات أنّ مبدأ سمّو الدستور يغدو مجرد لفظ أجوف عندما تستطيع مختلف السلطات في الدولة إنتهاك حرمته دون أن يترتب على ذلك الإنتهاك أي جَزاء ، وهذا ما يحصل اليوم من إنتهاكات فاضحة لدستور الأمّة اللبنانية حيث لا تُثار المشكلة ( مشكلة الإنتهاك ) ، فيما يتعلق بتصرفات السلطات على مختلف مندرجاتها ، إذ أنّ كفالة إحترامها للدستور والقانون منوط بالمحاكم الإدارية وذلك من خلال حقّها في مراقبة مشروعية تلك التصرفات ، ولكن عندنا هذه السلطّات تُغيَّبْ غُبّ الطلب ووفقا لمصالح السياسيين . كما نلفت نظر السياسيين عندنا أنّ العلم السياسي يُشير إلى أنه من المبادىء المسلم بها في النظم الديمقراطية أن يمثل الدستور الوثيقة القانونية العليا واجبة الإحترام من السلطات الأساسية في الدولة ، بحكم أنّ الدستور يتضمن المبادىء القانونية التي تتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم فيها وعلاقته بالمواطنين وينظم السلطات العامة في الدولة وحقوق وحريات الأفراد ويُعّد الدستور أعلى التشريعات في الدولة ويقع في قمة الهرم القانوني ويسمو على القواعد القانونية الأخرى ، فهل يعلم من يُمارسون السياسية عندنا تلك المفاهيم ؟!

 تزامنا مع ما يحصل في المنطقة من إعادة تكوينها وفقا لمصالح الإرادات الخارجية ، إنّ المرحلة تتطلب مزيدا من الرؤى والأفكار رغم ما يحصل من إنتهاكات دستورية وكان من ضمنها قانون الإنتخابات النيابية والتقسيمات الإدارية التي شملته إضافة إلى النتائج التي لم تلحظ أنّ هناك ما يُقارب ال 55% من الناخبين لم يقترعوا علما أنّ نتيجة الفرز تضمنت العديد من الشوائب وهذا ما إستند عليه أكثر من ثلاثين مرجعية قدّمت طعنًا في الإنتخابات لدى المجلس الدستوري ، وعلى السلطة أن لا تتناسى أنّ عدد الناخبين في آخر لوائح صدرت عن وزارة الداخلية كان : 3.746.483 ناخبا ، وقد تبيّن أن هذا العدد إرتفع في الجداول التي إعتمدتها لجان الفرز حيث وصلت إلى : 4.252.937 ناخبًا أي بفرق يزيد عن أكثر من نصف مليون ناخب ! كما نلفت نظر المراقبين على أنّ الدستور اللبناني إنْتُهِك وخصوصا فيما خصّ مقدمته وتحديدا الفقرة – ج – والتي تعتبر أن لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على إحترام الحريات العامة … لنشير إلى أمور لم تؤخذ بعين الإعتبار كنتائج الأوراق الباطلة التي بلغت 54017 منها 15299 ورقة بيضاء و 38889 ورقة باطلة ، وهذا يعني أنّ مجموعة الذين إقترعوا إقترعوا بسخرية وهؤلاء إضافة إلى ال 55% من الذين قاطعوا الإنتخابات يُشكلون الجزء الأكبر من اللبنانيين ومن المفترض دستوريا الأخد بآرائهم عند تشكيل الحكومة حيث لا يجوز حصرية التمثيل بالذين فازوا زوا في الإنتخابات . وبصريح العبارة أنّ الدولة اللبنانية مرحليا وللأسف مختطفة من مرجعيات متخبطة بعضها ببعض وبعيدة كل البُعد عن محيطها وقيمها ، والشعب اللبناني مغلوب على أمره وقد إكتشف فعليا أنّ الكلفة المرتفعة لهذه السياسات تتجه بالدولة إلى الإفلاس سياسيا وأمنيا وإقتصاديا  وإجتماعيا ، كما يسأل الرأي العام اللبناني كل القيادات اللبنانية : هل قرأتم الدستور وتمعنتم بمضومنه ؟ وهل تعملون بما ينص عليه أم أنكم في كل إستحقاق تُخالفونه عمدًا ؟ وهل ستتركون للصلح مطرح ؟!

 عمليا ثمّة نهج مختلف تماما عن الأعراف الدستورية يخطوه رجال السياسة في لبنان وهو أمر مؤسف للغاية ، والشعب اللبناني ليس مسؤولا عنه بالطبع بل هو ضحية هذا النهج الإستئثاري ، مثل هذا الإستنتاج حقيقة تفرض نفسها لتشكل سابقة في الممارسة السياسية الفاشلة سببها الأكاذيب والأضاليل التي يتم تسويقها وبروبغندا زرعت في عقول اللبنانيين بواسطة بعض الأقلام المأجورة وهدفها المّسْ بسمعة لبنان وتصويره كبلد قاصر عن ممارسة السياسة بإستقلالية حيث تدعو بعض المراجع الرسمية إلى تبنّي مواضيع غير دستورية وغير قانونية كإزدواجية السلاح وكعدم ممانعتها في تدخل بعض الدول في شؤون الدولة اللبنانية وعلى ما قاله مؤخرا مسؤول الحرس الثوري الإيراني عن أن ” لحزب الله أكثر من 74 نائب في البرلمان اللبناني ” وهذا تدخل فاضح في شؤون الدولة اللبنانية وتقليل من هيبتها …

 أخيرا شهدنا مؤخرا المزيد من القرارات التي صدرت من قبل مسؤولين المفترض بهم أن يكونوا أصحاب قرار مبني على التحليل والدراسات الوافية ، وعلى ما ينص عليه الدستور اللبناني وسائر القوانين اللبنانية ، ومن المؤسف أن تزخر هذه المرحلة بالقرارات المفاجئة والتي صدمت الشارع اللبناني وكان آخرها مرسوم التجنيس الذي أزعج كل اللبنانيين وفي طليعتهم الصرح البطريركي الماروني حيث لحظت مداولات مجلس الأساقفة الموارنة المنعقد منذ 11 أيار الجاري رفضها لهذا المرسوم لنسأل أهل السياسة عندنا : هل أخذ مرسوم التجنيس حقه في الدراسة أم أنه أهمل ما ينص عليه الدستور ؟! إنّ عدم دراسة القرارات لها آثار سلبية ستظهر لاحقا والتي قد تنعكس على صيغة العيش المشترك ، وإنّ العشوائية في إتخاذ القرارات وإهمال الدستور قد تدخلنا في أزمات أخرى لن تكون في الحسبان ، فحذار أيها السادة إهمال النصوص الدستورية وبالله عليكم إتقوا  الله .

0 Comments

Leave a Comment

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password

Skip to toolbar