قصة من قصص الاغتراب – قصة رولان ديك في كندا

yalla roland dick laval canada

يللا – كندا – الفرد بارود – قصة من قصص الاغتراب طبعت العشر سنوات الماضية حياة الجالية اللبنانية في مونتريال بأعمالٍ كرست التاريخ الجاليوي اللبناني في كيبيك بأعمال ناجحة، تحمل طابع الخلود لأنها ستبقى للأجيال القادمة ولسنين طويلة. أعمال حيّة تنبض فيها الوطنية الصافية المحمولة من تراث عتيق ونبيل، تجلت بثقافة الانفتاح والانسجام، وهدفت إلى دمج إيجابي للمهاجرين من أصل لبناني في المجتمع الكندي وتحديداً في كيبيك. أعمال تؤكد على الاندماج وتسطر ملاحم نجاح جالية كبيرة تعمل جاهدة على المشاركة في إعلاء شأن كندا دون كلل. أشخاص ناشطون كانوا وراء كلّ هذا. دأبوا على مدار الساعات والأيام والسنين لتحقيق وتثبيت جميع ما وصلوا إليه. من هؤلاء الأشخاص، لمع أسم تميّز بحضوره وأعماله. كان صاحبه يحلم ويسعى لتحقيق حلمه كي ينجح, فكان له ذلك. لبنان الحرّ كان حلمه، ومن هناك امتدّت جذوره. حَلِمَ بإعلاء شأن لبنان في كندا. الوطن الذي اخترناه والمساوي في الجوهر للبنان.
رولان ديك، هو الأسم الذي اخترته لأكتب عنه من سلسلة الأسماء اللبنانية التي تحمل في ذاكرتها أعمالاً ترسخت في ضمير لبنان المقيم والمنتشر. رولان ديك، أضاف الى اللوحة اللبنانية في كندا ألواناً مشرقة وبهية ثابتة لا تمحى. أضاف رولان ديك بأعماله الجاليوية فخراً فوق فخر يعتز به كل لبناني يعيش في كندا اليوم أو في المستقبل. أعاد لبنان إلى الخارطة الثقافية والحضارية لمونتريال، بعد غياب واستغياب لهذا الوطن الصغير عن لائحة مكونات المجتمع هنا… عندما غابت الدولة اللبنانية عن دورها بسبب الاحتلال والوصاية، وعندما غاب عن بال الجالية الحاضرة منذ سنة 1882 تاريخ وصول أول لبناني إلى كيبيك، تدوين تاريخهم وتأكيد أصولهم اللبنانية، جاء رولان ديك ليؤسس في مدينة مونتريال لتاريخ استُبعد عن سجل وطن عريق، وانتزع اعترافاً لا لبس فيه مدعوماً بالأدلة التاريخية التي تؤكد على وجود لبنان منذ آلاف السنين، كسابقة تعتمدها اليوم المدن الكندية كافة، كان آخرها مدينة لافال التي اعتمدت ما أكدته مدينة مونتريال عن وجود لبناني صرف مرتبط بوطن أم اسمه لبنان وليس بلاد الشام كما كان مدون، وكما ذكرت المراسلات بين مونتريال وجمعية سورية لبنانية التي أمعنت “عمداً” بدمج البلدين دون أي مبرر تاريخي أو أي مسوغ قانوني. وأدخلت هذه الوقائع والتاريخ الى سجلات مدينة مونتريال الثقافية، الذي وبناءً عليه تم توقيع اتفاقية مع الجامعة اللبنانية الثقافية حول العالم فرع كيبيك برئاسة رولان ديك، تمنح البلدية بموجبه الجامعة تمثالاً يخلد ويكرّم الوجود اللبناني في مونتريال منذ أكثر من 125 سنة. وبموجب هذه الأدلة والمتابعة التي أصبحت من الثوابت التاريخية. قامت أيضاً مدينة لافال وحذت حذو مدينة مونتريال، حيث وقعت مع الجامعة في كيبيك برئاسة رولان ديك برتوكولاً لتشييد تمثالاً وساحةً لأبنائها المتحدرين من أصل لبناني. ساحة وتمثال، يكونان باسم جميع الثقافات والإثنيات الموجودة في لافال، المتمثلة على سبيل المثال، بالجالية اللبنانية. مما يؤكد أولاً على الوجود اللبناني الوازن والمنتج في لافال وهذا ما سنتكلم عنه بعد قليل، وثانياً أن هذا التمثال هو الوحيد الذي سيُقَدَم للإثنيات في لافال بحسب ما نص البروتوكول الموقع بين البلدية والجامعة الثقافية.
رولان ديك هو من وضع لبنان والمهاجرين منه على الخارطة الكيبيكية والكندية. نعم مدينة مونتريال لم تكن تعترف بوجود لبناني مستقل عن السلطنة العثمانية وبعده عن بلاد الشام… لم يُحَرِّك أحدٌ أي ساكن في هذا الشأن، بالرغم من علم السفراء والقناصل اللبنانيين المتعاقبين على الوظيفة في مونتريال وأوتاوا، ولا حتى أي أحد من رجال الدين أيضاً على كافة طوائفهم. لكن الحقيقة هي هنا ولا يمكن تغييرها أو نكرانها. رولان ديك وحده من قام بالعمل وأنجز المهمة، نعم هذه هي الحقيقة، سواء اتفقنا معاً أو لم نتّفق، الحقيقة يجب أن تُقال. وما حفر على الصخر لن تمحوه أصوات تغرد خارج السرب خدمة لمآرب شخصية أو مشاريع مشبوهة. قصة رولان ديك التي أفتخر بكتابتها، مجزأة الى ثلاثة أقسام: القسم الأول طفولته وحياته في لبنان مع أدق تفاصيلها. القسم الثاني مرحلة النضال الكندي. والقسم الثالث وبعد.
القسم الثاني هو موضوعنا في هذه الحلقة على أن نكتب في وقت لاحق القسم الأول والثالث. في القسم الثاني هذا، سنمرّ بلمحة صغيرة على طفولته وشبابه في لبنان لكن ذلك لن يأخذ مكان القسم الأول كما أسلفت

ابن اعتق مدينة في العالم

ولد رولان ديك في مدينة الحرف بيبلوس وترعرع فيها. حصّل علومه المدرسية في بيبلوس حيث تتلمذ على يدّ الأخوة المريميين للمرحلة الابتدائية، ثم في مدرسة مار يوسف للمرحلة الثانوية. تابع تحصيله الجامعي في “الألبا” حتى تاريخ اندلاع حرب التحرير سنة 1989 ، حيث اضطر كما الكثيرون من الشباب إلى السفر لمتابعة تحصيله العلمي في الخارج. وصل إلى مونتريال وتابع تخصصه في الهندسة المعمارية في جامعة مونتريال، بعدها عاد الى لبنان. أسس مع أشقائه مكتباً للهندسة واشتغل فيه منذ سنة 1994 حتى سنة 2004 قبل أن يعود ويقرر السفر من جديد إلى كندا برفقة زوجته وأولاده.
منذ لحظة وصوله إلى مونتريال أسس شركته “آرشيتيك” واستحصل على التراخيص المطلوبة وباشر العمل في التعهدات، فبناها هذا بعصامية كبيرة بداية من الصفر وكبّرها. تعتبر شركة “ارشيتك” اليوم من الشركات الناجحة والمعروفة.
كان شاطئ البحصة المقابل لمنزل والدا رولان الملهم الأساسي له، وكان سبباً لأول عمل اجتماعي انخرط به رولان منذ نعومة أظفاره. في عمر الثامنة من سنيه، أسس رولان مع رفاقه جمعية تعنى بتنظيف هذا الشاطئ الجميل من الأوساخ والقمامة، وما حرّك يومها هذا الطفل، هو حسه المرهف نحوا الطبيعة ونحو مدينته. كما أن إحساسه بالمسؤولية والواجب الوطني اللذان رضعهما مع الحليب في منزل يفتخر بوطنيته وانخراطه بالمقاومة اللبنانية التي حافظت على المناطق الحرّة خلال الحرب اللبنانية المشؤومة.
بين القلعة وأنطش مار يوحنا، شبَّ رولان مطبوعاً بتاريخه اللبناني العريق منذ أجدادنا الفينيقيين، إضافة لإيمانه المسيحي الصلب. عنصران أساسيان، لعبا دوراً بارزاً في تكوين شخصية هذا الطفل، ليثمرا فيما بعد أعمالاً مميزة لخدمة لبنان.

الجامعة الثقافية اللبنانية حول العالم فرع كيبيك

“لا للذوبان نعم للإندماج”
بعد مراحل طويلة من العمل الفولكلوري للجامعة في كيبيك، حيث كانت نشاطاتها محصورة في سهرات الزجل وملكات الجمال، وهذا عمل ثقافي جيد، لكنه لا يحمل في طياته رسالة وطنية لبنانية للعالم أجمع وللكيبيكيين بالتحديد. والرسالة التي أرادت أن تخطّها الجامعة برئاسة رولان ديك، تمحورت استراتيجياً بتثبيت هوية لبنان التاريخية، وتأكيد لبنانية اللبنانيين منذ أقدم العصور، قبل وبعد فينيقيا، مروراً بالاحتلالات العربية كافة دون نسيان مرحلة الإحتلال العثماني ثم الفرنسي وصولاً الى الإحتلال السوري والفلسطيني والإسرائيلي.
كما تعودنا، أن لكل شيء وجهان في لبنان، كذلك كان الأمر ولم يزل النزاع على شرعية الجامعة اللبنانية الثقافية حول العالم قائماً وقت استلام رولان زمام إدارة فرع كيبيك. فكان له الموقف الشهير الذي أراد من خلاله الابتعاد عن السيجالات حول من هو شرعي ومن هو غير شرعي، فما كان إلا قرار أخذ الشرعية من الأرض، أي من العمل. لتتكلم الأعمال عن الجامعة ومن يسهر على إعلاء شأن لبنان. هذا القرار أخذه رولان وشقَّ طريقاً لم تكن السهولة له عنوان. مشوار شوك وصعوبات لأنه عندما تقول ثقافة، يأتي الجواب عقل، وبدل الفكر كان هناك أفكار. صراع “لبنانية لبنان” كان من أكبر التحديات التي واجهت الجامعة منذ سنة 2004 ، تاريخ تولي رولان زمام أمور فرع كيبيك. أي قبل انسحاب الجيش السوري من لبنان. لكن ما حمله هذا الاحتلال خلال سنين طويلة عبر إخضاع الدولة اللبنانية بكافة اداراتها بما فيها القنصليات والسفارات حول العالم ومن ضمنها القنصلية العامة في مونتريال، كان يمعن هذا الإحتلال في إذابة الهوية اللبنانية المستقلة ضمن إطار سوري شامل يلغي تاريخ لبنان ونضال شعبه منذ فجر التاريخ. كانت الجامعة الثقافية الصوت الحرّ في العالم. المنادي بحريّة واستقلال لبنان غير الخاضع للوصاية. هذا الصوت اعتبرته أدوات الوصاية مزعجاً، فأنشأت وزارة المغتربين، ورعت تأسيس جامعة ثقافية تابعة لها تغرّد ضمن معزوفة سلطة الوصاية وأدواتها اللبنانية. وللتذكير فقط، فإن الجامعة الثقافية اللبنانية حول العالم كانت من أهم المشاركين في العمل على وضع القرار 1559 في الأمم المتحدة، وقانون محاسبة سوريا في الكونغرس الأميركي.
هنا أطلت أيضاً عقبة كبيرة متجلية في شقين:
الأول هو المهاجرين اللبنانيين القدامى الذين أتوا إلى كيبيك خلال الإحتلال العثماني للبنان وهم يجهلون تاريخهم، وهذا أمر طبيعي، لأنهم ورثوا عن آبائهم الهوية العثمانية، هوية أمبراطورية الإحتلال التي سقطت بالمعاهدات الدولية الموقعة بعد الحرب الكونية الأولى. هؤلاء أيضاً لم تحتضنهم أيُّ حكومة لبنانية منذ إعلان دولة لبنان الكبير حتى يومنا هذا. فاعتقدوا أنهم متحدون مع الدولة السورية الحديثة العهد التي أنشئت بموجب “اتفاقية سايكس بيكو” بعد الحرب العالمية الأولى على أساس التسمية الجغرافية لمنطقة شرقي البحر الأبيض المتوسط ببر الشام.
ثانياً، ما دوِّن في سجلات بلدية مونتريال التى كان يسكنها 2000 لبناني سنة 1882 في منطقة سان دوني، هؤلاء ومن تلاهم لم تدونهم البلدية كلبنانيين وتمسكت بمبدأ عدم وجود لبنان لا بل هؤلاء ليسوا لبنانيين. حينها، وبحسب سجلات البلدية، لم يكن هناك من وجود للبنان، وتدعمت هذه المقولة من بعض اللبنانيين الذين لم يؤمنوا يوماً بلبنان وطناً للبنانيين ورفضوا الجنسية اللبنانية وهم مزيج من رعيل الهجرة القديمة، ومن البعثات اللبنانية التي كانت في مطلق الأحوال في خدمة دولة الإحتلال والوصاية التي هي امتداد لحكومات رَكَبَها هذا الإحتلال لترعى مصالحه.
هذا هو الواقع السياسي والتاريخي الذي كان قائماً، رغم أنه مبني على تزوير مقصود ومكشوف الأهداف. لكن كما يقال كانت هذه التحديات هي معمودية النار للجامعة فرع كيبيك برئاسة رولان ديك! سلسلة أحداث ومناسبات كانت وراء انكشاف هذه الوقائع وكانت الشرارة لإضاءة شعلة لبنان الحق ولبنان التاريخي لأبنائه اللبنانيين. كل ما سيكتب في هذه القصة من أحداث ومناسبات وإنجازات، حصلت باسم لبنان واسم الجامعة الثقافية اللبنانية حول العالم منذ استلام رولان ديك رئاستها في كيبيك وحتى اليوم.
عيد جواز السفر الكندي الستون

ينتبه ويربط أفكاره وأهدافه بأحداث ومناسبات كندية تشكل لمعظم الناس خبراً، في الوقت أنها كانت فرصة لرولان. كل الفرص يمكن العمل ضمنها والاستفادة منها لخدمة لبنان الوطن الأم وأيضاً لترسيخ الاندماج أكثر وأكثر في المجتمع الكندي عامة، والكيبيكي خاصةً انسجاماً مع الكيان الجغرافي للجامعة في مقاطعة كيبيك.
خلال مشاهدته أخبار كندا على شاشة التلفزيون مرّ خبر عن عيد الجنسية الكندية الستون، لأنه قبل هذا التاريخ لم تكن قد وجدت الجنسية الكندية، ولا جواز السفر الكندي، بل كان يوجد فقط جواز السفر البريطاني. هذا الخبر لفت أنظار رولان، فقرر فتح ورشة العمل على تنظيم حفل تسليم الجنسية الكندية للمجنسين الجدد من الدولة الكندية بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الثقافية حول العالم. أيضاً هنا لم يكن مخاض هذه الفكرة سهلاً. فانها المرّة الأولى التي سيتم فيها أداء قسم اليمين، وتسليم الجنسية في إطار ثقافي اثني. وفي سنة 2007 تحقق الطلب وكانت المناسبة ناجحة ،وكما تمناها أعضاء الجامعة، حيث تم الحلفان وتسليم الجنسيات في صالة لبنان بدير مار انطونيوس الكبير التابع للرهبنة اللبنانية المارونية.
تكررت هذه المناسبة مرّة أخرى أيضاً، ومن بعدها أصبحت الدولة الكندية منفتحة على تنظيم هذه المناسبة في مراكز ثقافية متعددة تابعة للمكونات الاثنية للمجتمع الكندي.

نقل السفارة الكندية الى بيروت والطيران المباشر بين بيروت ومونتريال

قبل أن ينتخب المحافظون لتأليف حكومة كندا الفيديرالية، كان رولان على علاقة جداً ووطيدة مع نواب وقيادات داخل هذا الحزب، ومعظمهم كان رفقة دراسة عندما انخرط هو أيضاً في حزب المحافظين. كان جايسون كيني ما يزال نائباً فيدرالياً وهو من أصدقائه. في إحدى زيارات النائب “كيني” برفقة “ستيفن هاربر” سنة 2006 قبل انتخابه على رأس الدولة، إلى دير مار أنطونيوس الكبير للقاء رولان مع أعضاء من الجامعة وبحضور رئيس الدير، طالب المجتمعون بنقل السفارة والقنصليات التابعة لها (كيبيك و كندا) من دمشق إلى بيروت. فكان هذا الطلب يشبه المستحيل، لكن النائب كيني قال ممازحاً لرولان؛ “إجمع عشرين ألف توقيع يطالب أصحابها بنقل السفارة، واترك الباقي علينا”. كانت هذه اشارة الانطلاق لتجميع 20000 ألف توقيع من الجالية اللبنانية في مونتريال. لم يوفر رولان جهداً ممكناً للوصول إلى العدد المنشود إلا وقام به. كان عندما يعرف أن شخصاً يريد التوقيع يذهب إليه دون الإكتراث لبعد المسافة أو الوقت أو البرد القارص في شتاء كندا. أحياناً كان يذهب من أجل توقيع واحد من أحد أبناء الجالية حاملاً ابنته الصغيرة معه. أما الجدير ذكره، هو أنه في تلك الفترة لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي كما هي اليوم من التطور والسهولة، خصوصاً من ناحية عدد المتفاعلية عليهم. نعم كان الهدف واضحاً، والتصميم موجود. كما أن عوامل إضافية ساعدت، منها إذاعة الشرق الأوسط التي تبث مباشرةً من مونتريال، حيث لم توفر فرصة إلا ودعمت هذا المشروع وكانت تدعو الناس للتجاوب والإتصال بالجامعة الثقافية. كذلك لعب المهرجان اللبناني دوراً في فتح مجال المهرجان أمام الجامعة لتجميع التواقيع.
يخبر رولان أنه عندما أتم تجميع العدد المطلوب من التواقيع حمل البيانات كلها في صناديق وأخذها إلى أوتاوا، حيث سلمها للحكومة التي كان يرأسها حينها المحافظون بعد أن فازوا في الإنتخابات العامة، وكان جايسن كيني قد أصبح وزيراً. أخذت حكومة هاربر على عاتقها العمل على تنفيذ نقل السفارة كما وعدت وأخذت فعلاً القرار بذلك وباشرت بالإجراءات. وفي سنة 2009 نقلت السفارة إلى بيروت، وكان ذلك إنجازاً ضخماً حققته الجامعة الثقافية، يخدم اللبنانيين ويوفر عليهم عناء السفر إلى سوريا أو قبرص أو الأردن. يستفيد اللبنانيون حتى اليوم من خدمات السفارة وقنصلياتها في بيروت وهي كثيرة، نذكر منها غير تأشيرات الهجرة طبعاً، هناك تأشيرات الزيارة والسياحة وتأشيرات رجال الأعمال. هذه الخطوة حسنت بشكل كبير العلاقات التجارية بين كندا ولبنان، واستفاد منها رجال أعمال من البلدين.
كذلك الأمر بالنسبة للطيران المباشر بين بيروت ومونتريال. سلك هذا الموضوع قدماً، وعملت الدولة الكندية على تحقيقه. أمور تقنية وأمنية وضعت على طاولة المباحثات من الجانب الكندي عجزت الدولة اللبنانية عن تحقيقها، كان أهمها الموضوع الأمني والإجراءات التي يجب أن تتبع كما وأيضاً حصرية سلطة الدولة اللبنانية الأمنية في مطار بيروت الدولي. بالمقارنة مع العواصم العربية التي تؤمن خدمة الطيران المباشر مع مونتريال، فان السلطة الوحيدة الضامنة في مطاراتها هي سلطة الدولة فقط. يبقى اذاً تحقيق هذا المطلب الحيوي أمراً مؤجلاً الى وقت لاحق.

إجلاء الرعايا خلال حرب 2006

سنة 2006 كانت سنة سوداء بتاريخ لبنان. أو إذا جاز التعبير بشكل أوضح، سنة 2006 كانت من إحدى السنين العديدة السوداء التي مرّت على لبنان بتاريخه الحديث. يومها اندلعت الحرب بين اسرائيل وحزب الله، ولم توفر اسرائيل شبراً واحداً من لبنان إلا واعتدت عليه من الجوّ والبحر والبرّ. الكنديون من أصل لبنان المقيمون في لبنان، هم وبطبيعة الاحوال، رهينة هذه الحرب كما هو الحال أيضاً لباقي اللبنانيين. حماسة الدولة الكندية لجلاء الرعايا لم تكن قوية، فالكلفة باهظة والوسائل المتاحة لم تكن سهلة. تدخلت مرجعيات كندية من أصل لبناني ومنها الجامعة الثقافية ورولان ديك استعمل علاقاته الشخصية بالدولة، فاتخذ القرار بإجلاء الرعايا الكندية من لبنان وإنقاذهم من آتون هذه الحرب المدمرة. وبالفعل أرسلت كندا بواخرها وأجلت عشرات الآلاف من رعاياها إلى قبرص ومنها إلى كندا، حيث كان استقبالهم واحتضانهم ورعايتهم كما تستوجبه القيم الكندية. وهنا نُشير إلى أن فاتورة الإجلاء كانت باهظة، حيث تعدت الثمانون مليون دولاراً، صرفتهم الدولة الكندية دون أي تردد.
الصدمة الكبرى كانت عند مغادرة معظم هؤلاء إلى لبنان بعد انتهاء الحرب مباشرة. مما وضع الدولة بموقف حرج وغير مبرر لإنفاقها هذه الأموال وهذا المجهود لمواطنين كنديين غير مقيمين، استعملوا المال العام للهروب فقط دون وجود أي نية للإقامة. فما كان من أبناء الجالية الفاعلين، ومنهم رولان، سوى مباشرة العمل على ترميم العلاقة مع الدولة الكندية. لم يكن هم ترميم هذه العلاقة سوى التأكيد على الإنخراط الإيجابي في الحياة الكندية الخاصة والعامة، وأن المسؤولية ليست شاملة بحيث يمكن تحديدها بشكل فردي، فتكون بالتالي العلاقة الجيدة والعلاقة السيئة مع الدولة على أساس فردي فقط، ولا تشمل أبناء الجالية اللبنانية بالعموم. فكان إنجازاً كبيراً يرتقي إلى أعلى المستويات الديبلوماسية في الحوار الإيجابي البنّاء.

ترميم بعده ترميم

انتهت موجة الإعتراضات على قرار ونتيجة إجلاء الرعايا خلال حرب تموز 2006 ، وأخذ كل طرف العبر والدروس، لتأتي من بعدها فضيحة عملاء الهجرة ومنتحلي صفة المحاماة بين مونتريال وبيروت. نزلت هذه الفضيحة كالصاعقة على جميع اللبنانيين الكنديين الذين يعيشون حياة طبيعية تحت سقف القانون أسوة بباقي المواطنين، لأن التقرير المصور الذي أنتجه راديو كندا تكلم عن اللبنانيين وكأنه، عن غير قصد، وضع الجميع في دائرة واحدة تحت مجهر الإتهام والمحاسبة. كان أبطال هذه الجرائم أسماءً معروفة في كندا والآخر في بيروت.
كان الواجب الطبيعي للجامعة الثقافية أن تهب وتنتفض قبل أن يظلم أبرياء، وتحاشياً لعدم صبغ اللبنانيين بطابع غير صحيح يحمل مسؤوليته أفراد كل ما أرادوا من خلاله، كان كسب المال غير المشروع بتزوير إقامة غير المقيمين لاستحصالهم على الجنسية الكندية وأيضاً قبض أموال طائلة عن أولادهم وهم مقيمون في لبنان…
قامت الجامعة برئاسة رولان ديك بالعمل على فصل الخيط الأسود عن الخيوط البيضاء، وعملت على توضيح الصورة مع الدولة الكندية، كما حرصت على نقل الواقع الحقيقي والمنتج للجالية اللبنانية إلى الصحافة. لا يمكننا وقف الأمواج العاتية في البحار لكننا نحرص على متابعة الإبحار مع سلامة السفينة ومن عليها. لذلك تتم معالجة الحمولة الزائدة والفاسدة بإبعادها عن جموع السفينة الصالحة.

تثبيت الوجود اللبناني في سجلات بلدية مونتريال

منذ إعلان دولة لبنان الكبير، تعاملت بلدية مونتريال مع رعايا، اعتقدوا أنهم من سوريا الكبرى، وهم منتظمون ضمن جمعيات سورية لبنانية مشتركة تربط أصولها ببلاد الشام غير معتبرة أن للبنان وجود. جميع المراسلات بين هذه الجمعيات وبلدية مونتريال كانت دائماً في هذا الاتجاه.
عندما توجه رولان ديك حاملاً بين يديه مشروعاً يكرّم الوجود اللبناني في مونتريال منذ سنة 1882 ، اصطدم بهذا الواقع حيث رفضت بلدية مونتريال رفضاً قاطعاً البحث في هذا الموضوع، واعتبرت أنه لا وجود للبنان ولبنانيين في سجلاتها. الجواب جاء وقعه كالصاعقة، كما أخبرني رولان. لكن في الوقت عينه، رفع مستوى التصميم. فبدل من ترك المشروع ونسيانه، أصبح تثبيت وجود لبنان واللبنانيين في مونتريال منذ سنة 1882 هدفاً أكبر بكثير من أي مظاهر ثقافية تخلد هذا الوجود، فكيف يمكن تخليد وجود لم تذكره سجلات بلدية مونتريال التي رفضت الفكرة من أساسها استناداً لهذه السجلات؟
رحلة الالف ميل من تجميع الوثائق والمستندات التاريخية بدأت منذ لحظة الرفض. في حينها لم يكن موقع غوغل متطور إلى الحد الذي نشهده اليوم. فكان تجميع المعلومات يتم بين الإنترنت، وبين المستندات الفردية والاثباتات التاريخية من مراجع عالمية ولبنانية موثوقة لباحثين موثوقين معروفين. وبطبيعة الأحوال كانت البداية من الكتاب المقدس الذي ذكر لبنان 71 مرّة. وبالتأكيد لم يذكر أي بلد آخر بهذا القدر، كما أنه لم يذكر سوريا ولا مرّة.
يقول رولان أنه اليوم إذا مشى من بيته إلى بلدية مونتريال معصب العينين، لن يضل الطريق تصويراً لعدد المرّات التي ذهب فيها إلى البلدية مقدماً مستندات وأدلة، مناقشاً ومدافعاً عن كينونة لبنان منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا دون انقطاع. لبنان موجود كما اللبنانيون رغم حقبات الإحتلال القاسية والطويلة أحياناً، لكن الهوية لم تتغير. أخبرني أن رئيسة اللجنة الثقافية المتابعة للموضوع من قبل البلدية، هي من أصل فرنسي. سألها أمام الجميع خلال المناقشة التي تشبه المرافعة، يوم اتخذ القرار بتدوين تاريخ الوجود اللبناني في مونتريال منذ 1882 “هل فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، والتي كانت واقعة تحت الإحتلال النازي، هي فرنسا المحتلة أو أنها أصبحت ألمانيا؟” فكان التشبيه واضح ومطابق للبنان ولأي بلد وقع أو سيقع تحت الإحتلال. في النهاية انتصر الحق والحقيقة، وتبخرت كل المساعي والأقاويل التي حاولت كسر المشروع ووضع العقبات أمام تحقيقه عبر تزوير الحقائق التاريخية، بإطلاق أكاذيب غير واقعية تستقي وجودها من احلام عقائدية أقل ما يقال فيها أن التاريخ أكل وشرب عليها وأصبحت من الماضي الجاهل بعدما رفضها الحاضر الواعي.

داليث ومشروع الأكادي

منذ اللحظة الأولى لتوقيع البروتوكول، ابتدأ العمل على تنفيذه. بداية، أجريت مسابقة بين عدد من النحاتين المنتمين إلى جمعية النحاتين الكيبيكيين كما اشترطت البلدية.
وقع الإختيار على مشروع التمثال الذي قدمه الفنان والنحات “جيل ميالسين” ، الذي اعتمد على الحرف الرابع من الأبجدية الفينيقية وهو “داليث” أي الباب… وشكل الحرف مثلثاً، مما يُعطيه ثلاث واجهات. الأولى نحت عليها الأبجدية الفينيقية، وهي أول أبجدية فونيمية في تاريخ البشرية وهي أم الأبجدية الفونيمية في العالم. الثانية نحت عليها الفنان الرجل الفينيقي في بيبلوس، وكان مبادرة شخصية منه على مشروع التمثال الأساسي الذي لم يلحظها. هذه الإضافة اعتبرها رولان ديك بمثابة إشارة من السماء، لأن النحات اختار رجل بيبلوس دون الرجوع الى أحد فكانت مفاجأة. في الواجهة الثالثة، وضع ثلاث مجاديف، رمزاً للسفن الفينيقية والبحارة الفينيقيين الذين اكتشفوا سرّ الملاحة في الليل. وفي يوم افتتاح التمثال قال رئيس بلدية مونتريال حينها “جيرار ترامبلي” أنه يتمنى أن يرى جميع اللبنانيين يجذفون سوية وفي نفس الإتجاه. قال ذلك نتيجة ما اختبره خلال فترة التحضير للتمثال من معارضة ووضع العقبات غير المبررة من بعض اللبنانيين الذين أغاظهم مشروع هذا التمثال والرسالة الحضارية والثقافية التي يمثلها. كما واختبر التدخلات السياسية والقنصلية التي عكرت على فكرة المشروع الأساسي، وتم الاكتفاء بالتمثال. شارع الأكادي كان سيطلق عليه اسم جبران خليل جبران، وكان سيربط التمثال بمقاطع من كتب جبران على طول الشارع. فاستعيض عنه بزاروبة جبران، كما يصفها رولان، المتفرعة من بولفار “الكوت فيرتو” وشارع “اللو بو”
تكلل حرف الداليث بمثلث الأرزة اللبنانية المصبوب من الستاينلس ستيل المقاوم لعوامل الطقس والتآكل. هذه الأرزة الخالدة التي تمثل اللبنانيين جميعاً. أوضح رولان أن الداليث هو من خيار “جيل ميالتسن” وحده. ولا يرمز إلى أي حزب. كذلك الأمر إلى الغرانيت الأسود الذي جمع من ثلاثة ألواح، لاستحالة وضع لوح واحد بهذا الحجم، وهو أيضاً لا يرمز إلى أي حزب كما يحلو للبعض التفسير.
النحات “جيل ميالتسن” قام بعمله منفرداً دون مساعدة أحد. جاء التمثال نتيجة بحوث ودراسات كثيرة قام بها الفنان حتى توصل إلى نحت هذه التحفة الرائعة. أهم ما خلص إليه جيل ميالتسن، هو ما جسده في منحوتته. فقد رأى البعد الانساني الأممي لهذا الوطن الصغير بالمساحة، حامل رسالة إنسانية عابرة للأمم. يأتي التمثال نتيجة حتمية للدراسات وجواب من غير لبناني، على وجود لبناني تاريخي الكيان وغير المنفصل عن شعبه. فرسالة لبنان نشأت فيه نتيجة فكر شعبه وانتشرت حول العالم مع انتشارهم. لا يمكن تجسيد تاريخ هذه الأمة العظيمة بمنحوتة كما جسدها النحات جيل ميالتسن، والتي بالرغم بساطتها تحمل جمالاً لا يوصف وتفسيراً سهلاً يصل إلى عقل الناس، بما فيهم غير اللبنانيين وغير الملمين بتاريخ لبنان.

حملات التبرع بالدم (حياة وسلام)
سنة 2007 كان النزيف في صفوف الجيش الكندي في أفغنستان كبيراً، حيث كان يسقط الكثير من الشهداء. كذلك كانت معركة نهر البارد بين الجيش اللبناني والإرهابيين في خضمها، وكانت ضريبة الدم كبيرة جداً. نخوة رولان ديك التي لا تنطفئ، حرّكته بقدر ما كان الوجع كبيراً . شهداء من لبنان وكندا يسقطون بحرب واحدة ضد الارهاب على جبهات مختلفة، حفاظاً على الحريّة ودفاعاً عن الأبرياء. فكيف يمكن للمواطنين التعبير عن امتنانهم وتضامنهم مع جيشهم الذي يدافع عنهم؟
اتجه نظر رولان إلى الجيش الكندي و”هيما” كيبيك. مؤسستان كبيرتان كلاهما هدفهما الحياة. وبدأ العمل لتنفيذ مشروع مشترك بينها. وكانت المرّة الأولى التي يقبل فيها الجيش الكندي بحملة تبرع بالدم من خارج المؤسسة، فهو عادة يقوم بذلك بشكل منفرد وبمشاركة الجنود فقط. كعادته كان رولان يحمل هم القضية التي من أجلها ينفذ المشروع، وفي الوقت عينه العمل على الانخراط الإيجابي في المجتمع الكيبيكي. جاء الموعد للتبرع بالدم داخل ثكنة الجيش في لافال، وجاءت معه المفاجأة حيث لبى النداء أكثر من ثلاثة آلاف مواطن كندي معظمهم من أصل لبناني. يومها صرّحت “هيما” كبيبيك أنها لم ترَ بتاريخها عدداً مماثلاً من مواطنين يلبون النداء للتبرع بدمهم. العدد ضخم، لكن هيما كيبيك لم تكن مجهزة وحاضرة لاستقبال الجميع. أما النتيجة، فكانت نجاحاً باهراً، وسمعة لا لبس فيها، تقول أن اللبنانيين منخرطين بشكل جدّي وكبير بالحياة الكندية، ويلبون نداء الواجب دون تردد.

مشاركتان كبيرتان للتبرع بالدم سنة 2010 وسنة 2011

النخوة اللبنانية هذه، لفتت بلدية لافال التي كانت تقوم بحملة سنوية للتبرع بالدم، لكن تلبية النداء كانت تضعف من سنة إلى سنة. يومها اتصلوا برئيس الجامعة الثقافية رولان ديك، وعرضوا عليه التعاون في تنظيم الحملة. ومرة أخرى، كانت الجامعة هي العنصر المتميّز في الحملة، سواء من ناحية عدد الذين لبوا النداء، أم من ناحية القدرة التنظيمية. نجاح المشاركة هذا، رفع عدد المشاركين بشكل كبير، مما دفع البلدية في السنة التالية للطلب من الجامعة الثقافية الشراكة من جديد. ولبت الجامعة، وأتت والنتيجة أكبر من السنة الأولى.
التقدم والتفتيش عن أعمال ومشاريع أكبر، هو عصب النجاح الذي يرخي ظلاله على الجالية بأكملها. لكن كلما كبرت المشاريع، كلما ازداد التحدّي وازدادت التضحيات. أن يصبو الإنسان نحو الأفضل لمجتمعه وعدم الطلب بشيء لنفسه، حالة تترجم بتعيين شباب ناشط من الجالية اللبنانية من صفوف الجامعة الثقافية في كيبيك، أو من خارجها في مراكز إدارية وقضائية، من خلال عادة درجت عليها الحكومة الكندية كعربون امتنان، لمجموعة كندية تنتمي إلى ثقافة معينة.
الرؤية والتفاني، يمكنهما أن يختصرا كل ما يجول في أفكار رولان ديك الذي لم يطلب أي شيئ لنفسه أبداً، ولم يتوقف قطعياً عن متابعة التقدم. نجاح حملات التبرع بالدم التي نظمتها الجامعة، كان مؤشراً إيجابياً للأحزاب والجمعيات اللبنانية لتكرار التجربة على غرارها ونطاقها سنة بعد سنة. (باستثناء الحملات التي ينظمها حزب الكتائب اللبنانية). وبهذا، تكون الجامعة وضعت أمانة بين أيدي من تعتبرهم أخوة وشركاء في الهم الوطني، في شقيه الكندي واللبناني. واعتبرت أن متابعة نشاط التبرع بالدم قائم ومستمر كائن من كان ذاك الذي يسلك هذا الخط النبيل من ابناء الجالية ومؤسساتها.

مجلة الجريدة

مواكبة الأعمال أمرٌ أساسي في أي منظومة كانت. فالإعلام يعطي العمل بعده الزمني والجغرافي، ويشارك جميع الناس حتي القابعين في بيوتهم بالمشاريع واللحظات المرافقة لها. فينتج عنه إيجابية وانخراط أوسع، حتى لو لم يقتصر إلا على صورة أو كلمة جميلة ينقلها كل من وصلت اليه.
الإعلان عن الأعمال، هو حافز أساسي للصحوة العامة، ولتنشيط النخوة والهمم عند أصحاب النوايا الصافية، فينخرطون إيجابياً وبدون عناء في مشروع البناء.
فهم رولان هذه الايجابيات، فأنشأ مجلة شهرية مع مجموعة من الناشطين تحت اسم “الجريدة” وقدمت هذه المجلة أعمالاً وكتابات على طول 12 عدد أُضيفوا إلى تاريخ الجالية الصحافي والسياسي والتاريخي.

مارك دياب

هو الشهيد اللبناني في الجيش الكندي في أفغنستان. استشهد بحرب على الإرهاب. استشهد من أجل الحريّة. هو ابن عائلة هاجرت إلى كندا هرباً من الحرب والموت في لبنان، وكأنها جاءت لتقدّم ابنها شهيداً على مذبح الوطن الجديد.
لم تقف الجامعة الثقافية متفرجة على هذه البطولة وهذه التضحية الكبيرة التي قدمتها عائلة لبنانية مهاجرة إلى كندا. حاول رولان الإتصال بأهل الشهيد لأخذ إذنهم بتنظيم حفل تكريم له، وعرض الفيلم الوثائقي الذي صور عنه لكن دون جدوى، لأن الأهل كانوا يعيشون حالة استياء من المراجع الرسمية اللبنانية التي لم تتصل بهم حتى…
لكن، وبطلب من رولان قام رئيس دير مار أنطونيوس الكبير الأب أنطوان طحّان وهو صديق مشترك، بالاتصال بالأهل وشرح أهداف هذا التكريم الذي تنوي الجامعة القيام به فوافقوا.
نظم التكريم في ثكنة الجيش في لافال بمشاركة أهل الشهيد وحشد كبير جداً من أبناء الجالية اللبنانية التي اعتبرت استشهاد مارك نيشانَ فخر على صدر كل لبناني كندي، وتعبيراً واضحاً على الإندماج الحقيقي. لأن، وكما يقول رولان، كندا ليست شقة بالإيجار نستعملها لحاجتها… كندا هي وطننا وعلينا واجب الأحترام لهذا الوطن.
تكريم الشهيد مارك دياب هو أقل ما يمكن تقديمه لذكراه، لكن أيضاً هو رسالة لا تحمل اللبث على جديّة اللبنانيين في اندماجهم في كندا، وقد قطعوا أشواطاً جبارة لم يدركها بعض المهاجرين حتى في الخيال.

الانتخابات البلدية في لافال

يحزّ في نفس رولان أمر حيوي، وهو أن الوجود اللبناني في مقاطعة كيبيك يعود إلى سنة 1882 ، ومن حينها لم يتوقف هذا العدد عن التزايد. لم يقرب أي حزب من الجالية اللبنانية في مونتريال بتبني ترشيح أحد من أبنائها. اتضحت جلية صورة وسبب هذا الإهمال، عندما تقدمت الجامعة الثقافية فرع كيبيك برئاسة رولان، بطلب مشروع الأكادي إلى بلدية مونتريال وجاء الجواب على الشكل المكتوب آنفاً. لكن بعد أن سويت الأمور وتم تصحيح تاريخ مدينة مونتريال الثقافي، أصبح من الجلي طبعاً النظر إلى استكمال التصحيح بترشيح لبناني على الانتخابات البلدية. بالفعل ترشح الناشط عارف سالم على لائحة جيرار ترامبلي بدعم من الجامعة الثقافية وجمعيات أخرى، وفاز ليكون أول لبناني ينتخب ويصبح عضو في مجلس بلدية مونتريال منذ وصول أول المهاجرين وحتى سنة 2009 تاريخ انتخابه.
سنة 2013 كانت سنة التحديات الكبرى والإنجازات. كان رولان ديك من الأشخاص الأساسيين الذين أسسوا حزب “موفمان لافالوا” وطرح اسمه من قبل زملائه لترأس اللائحة والبلدية عند الفوز، لكنه رفض هذا الطلب وفضل ترشيح شخصين لبنانيين على مقعدين يختارهما هو. فكان الذي طلبه ليس فقط لمجهوده في الحزب البلدي الجديد، إنما للحيثية التي خلقها على طول السنين والأعمال التي أسسها أو ساهم فيها بوجوده التطوعي على الأرض.
لم يختر شيئاً لنفسه، ولم يسعَ لشيء لنفسه. كان همه، ولم يزل، يصب فقط على الأعمال العامة الناجحة. مقعدان، أي إسمان، فوقع اختياره على ألين ديب، وهي سيدة فاعلة متطوعة في أعمال الخير وفي الكنائس. وراي خليل، الذي هو ابن عائلة مجاهدة ساهمت كثيراً في نشاطات الجالية. اختارهما للقيم التي أتيا منها. وترأس حملتهما الإنتخابية، ونزل كعادته على الأرض حتى ربحا الإنتخابات، وأصبحا عضوان بلديان في مدين لافال. هذا الإنجاز وضعه رولان ديك بين يدي جالية أثبتت حيويتها وتجاوبها. يتابع رولان نشاطه السياسي وخصوصاً في لافال، وهو اليوم يتبنى ترشيح كثيرين على المجلس البلدي في لافال من ضمن المعركة الإنتخابية المقبلة. وهو يعمل كعادته دون كلل من أجل تأمين الربح لهم بتوحيد جهوده مع جهودهم. هذه الإنتخابات ، ما هي إلا منازلة ديمقراطية يخوضها رولان بكل انفتاح وروح رياضية، يقبل فيها جميع الخصوم ويحترمهم، لكنّه لا يساوم على المبادئ، ولا يتاجر بأسماء مرشحيه. بل دائماً يتلقى السهام في الطليعة قبل أي انسان آخر. أسس مدرسة في العمل الجاليوي، حاول الكثيرون نقله وتطبيقه. لكن أحياناً، تنقلب النتائج عليهم وتتحول إلى كرة نار تحرقهم وتحرق من معهم. فهم ينقلون ما تراه عيونهم فقط، فلا عجب من فشل معظمهم في عملية النسخ.

الخاتمة

المشوار مستمر.. والقصة لم تنته. ستكتب أجزاء أخرى وانتصارات جديدة ستتحقق. طبول الغد نسمعها اليوم ونمشي شطر أصوات قرعها، في ساحات مكتظة بعشاق يرقصون، يحتفلون ويمشون. لكن الساحات تحمل أسماء باقية بقاء الأزمنة لتستقبل جمهوراً جديداً وعشاقاً جدد يحيون تراثاً مخزوناً من عمر لبنان، فيرقصون من جديد ليرتاح من رقص قبلهم .
استقبلني رولان أمام باب مكتبه وبعد جولة في الأرجاء، دخلنا إلى غرفة الإجتماعات وجلسنا خلف طاولة مستطيلة كبيرة حيث قال لي:”على هذه الطاولة بكينا كثيراً وفرحنا كثيراً. على هذه الطاولة كُتِبَت المشاريع والأفكار، وحولها اجتمع ويجتمع أصحاب النخوة المؤمنون بلبنان والمندمجون بكندا، يجلسون ويترجمون أحلامهم إلى وقائع”.
بعد العمل وبعد السهر، يرتاح المجاهد على كرسيه المفضل، ويتنفس بعمق وهو ينظر إلى ما خلص اليه. يغمض عينيه ويبحر في أحلام اليقظة فينام، لكن قلبه يخونه ولا يغفو إلا ليصحو في اليوم التالي ويقول: لم تـاتِ ساعة الراحة بعد. كيف تأتي والعمل في بداياته؟! ليبدأ مشروع جديد، وخطوات جديدة يُسمع وقعها في صدى التاريخ وفي حاضر الأجيال التي لم تولد بعد. تنزل على الأرض كالنقش، فيطأ عامل الزمن ويعلوه. قصص نعيشها اليوم وتخبر عنّا غداً. سراجٌ لا نرميه بل نسلمه مترعاً بالزيت. دروسٌ لا تدرّس في مدرسة، ولا تُشرح بكلمة. أمثولات تنتقل بالدّم والروح ولا من يفهمها إلا من إنتقلت إليه خلفاً بعد سلف…

الفرد بارود

0 Comments

Leave a Comment

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password

Skip to toolbar